النزوح يتواصل في اليمن... فرار متكرر بحثاً عن الأمان
لم تعد رحلة النزوح جنوب غربي اليمن، تنتهي بوصول العائلات إلى منطقة بعيدة عن جبهات القتال، إذ يدفع التصعيد المستمر آلاف المدنيين إلى تنقّل متكرر بحثاً عن مكان أقّل خطورة.
مع اتساع رقعة المواجهات في اليمن منذ سبتمبر/أيلول الماضي، وجدت عائلات عديدة نفسها مضطرة إلى مغادرة منازلها، تاركة خلفها مصادر رزقها، لتبدأ رحلة عنوانها البحث عن مأوى، وعن لقمة عيش ومياه صالحة للشرب. وبينما يحاول هؤلاء النازحون تجنّب القصف تصطدم محاولاتهم تلك بارتفاع تكاليف النقل، وكلفة الإيجارات، واكتظاظ منازل الأقارب، إلى جانب محدودية المساعدات الإنسانية.
وخلال موجة النزوح الأخيرة، لم يعد الأمر قاصراً على الانتقال التقليدي من مناطق الاشتباكات إلى بؤر أكثر استقراراً، بل بات يتخذ أشكالاً متداخلة، إذ تغادر عائلات أحياءً داخل المدينة إلى أحياء أخرى، فيما يفر سكان من الريف إلى المدينة، أو ينزحون بين المناطق الريفية ذاتها، قبل أن يضطر بعضهم إلى تغيير وجهته مجدداً كلما اقتربت المواجهات من أماكن إقامتهم الجديدة.
وتعكس البيانات الميدانية حجم الأزمة، إذ أفادت المنظمة الدولية للهجرة في تقرير حديث، بأن معدلات النزوح الداخلي في اليمن بلغت حتى 23 أكتوبر/تشرين الأول، أكثر من 268 ألف شخص، نزح معظمهم منذ مطلع سبتمبر الماضي، في حين تتزايد أعداد الأسر التي تبحث عن الأمان باتجاه الجنوب.
في عدن، تضاعفت أعداد النازحين مرتين منذ 7 أكتوبر، لتتجاوز 42 ألف نازح، بينما تستضيف لحج حالياً نحو 67 ألف شخص، وتتوزع الأسر النازحة على 62 مديرية في 10 محافظات، وصولاً إلى المهرة في أقصى الشرق. وتضيف المنظمة الأممية أنه مع نزوح 44,736 أسرة، تكابد عائلات كثيرة للحصول على المياه النظيفة والرعاية الصحية والخدمات الأساسية، في ظل النقص الحاد في الوقود، والارتفاع الباهظ في أسعار المواد الغذائية والأدوية.
وتحتمي غالبية الأسر النازحة في مبانٍ عامة مكتظة، أو تنام في العراء، فيما تواجه الفئات الأكثر ضعفاً من النساء والأطفال وكبار السن وذوي الإعاقة مخاطر حماية متزايدة، بالتزامن مع قيود الوصول الإنساني في تعز، والتي تواصل إبطاء تقديم المساعدات.
وفي تعز، لم يعد النزوح حدثاً طارئاً ينتهي بمجرد مغادرة المنزل، بل تحوّل إلى مسار ممتد تتداخل فيه المخاطر الأمنية مع الفقر وغياب الخدمات الأساسية، فالعائلات التي تفر من الريف إلى المدينة بحثاً عن الأمان يصدمها واقع الإيجارات الباهظة، بينما يواجه من ينزحون نحو الأرياف شحاً شديداً في الخدمات الصحية وفرص العيش، بينما الانتقال من حي إلى آخر داخل المدينة ذاتها لا يضمن أبداً الابتعاد عن الخطر، في ظل التحولات المستمرة لخطوط التماس، وتساقط القذائف العشوائي.
مع بدء التجهيزات العسكرية والانتشار الميداني لأفراد المقاومة الشعبية واللجان الأمنية في مديرية مشرعة وحدنان بجبل صبر جنوبي مدينة تعز، تلقى اليمني سلطان محمد (69 سنة) اتصالاً من ابنه المقيم في المدينة، حثّه فيه على حمل متاعه والنزوح، بهدف إبعاده عن أجواء الحرب المقلقة التي تفاقم حالته الصحية المتردية، إذ يعاني من أمراض مزمنة.
ورغم إدراك سلطان أن المخاطر العسكرية باتت تلف كل مناطق تعز، ريفاً وحضراً، فإنه قرر النزوح من قريته إلى مدينة تعز بحثاً عن هامش أمان مؤقت. يقول لـ"العربي الجديد": "بتنا جميعاً معنيين بتحمل مسؤولية استمرار الحرب، ونتيجة معاناتي الصحية مع السكري وارتفاع ضغط الدم، قررت البحث عن بقعة أكثر أماناً في المدينة، فنزحت من القرية. قرار النزوح لم يكن سهلاً، لكنني استجبت لإلحاح أبنائي بالابتعاد عن مناطق التصعيد، فضلاً عن الوجود قرب المرافق الطبية. حين وصلت وجدت نفسي في مواجهة واقع جديد تشتّت فيه شمل أسرتي، وأتحمل فيه أعباء معيشية ونفسية تفوق طاقتي لمجرد الحصول على هامش من الطمأنينة".
بدوره، يقول النازح عبد العزيز سيف لـ"العربي الجديد": "كنت أسكن في حي الدمينة، ومع اشتداد المعارك في جبهات الدفاع الجوي والمطار وغربي تعز، اضطررت إلى النزوح مع أسرتي إلى قريتنا، وأخشى أن تصل الحرب إلى حيفان، فنضطر إلى النزوح مجدداً. واجهنا الكثير من المصاعب في الوصول إلى القرية، ونعاني حالياً أوضاعاً مزرية، إذ نسكن في بيت أحد أقاربنا، وتعيش الأسرة كلها في غرفة واحدة، فضلاً عن تعطّل أعمالنا".
لا يختلف حال النازح فهد عبد الجليل كثيراً، ويحكي لـ"العربي الجديد": "أسكن في منطقة عصيفرة بالقرب من خط التماس، ومع التصعيد العسكري تضاعف القصف الذي يستهدف الأحياء السكنية، وسقطت قذيفة هاون إلى جوار شقتنا، ما اضطرنا إلى النزوح إلى منطقة الدائري للنجاة بأرواحنا. لا نبحث عن شيء سوى الأمان، أما الجوع والتشرد فقد تعودنا عليهما، لا سيما في ظل عدم الالتفات إلينا لا من الجهات الحكومية ولا من المنظمات الإنسانية".
وتكشف هذه الشهادات جانباً من واقع لا تظهره إحصاءات النزوح؛ فالعائلة التي تنجو من القصف تجد نفسها بلا قوت، أو من دون مكان آمن، وعندما يتكدس النازحون في منازل الأقارب، تتوزع الغرف المحدودة على أعداد أكبر، وتصبح تفاصيل الحياة اليومية، من إعداد الطعام إلى النوم والاستحمام، مصدراً إضافياً للضغط النفسي. ورغم أن الاستضافة العائلية تمثل خط الدفاع الأول أمام التشرد في المجتمع اليمني، لكنها لم تعد قادرة على استيعاب الاحتياجات المتزايدة؛ فالأسر المضيفة نفسها تعيش تحت وطأة الغلاء، وتراجع مصادر الدخل، ونقص الخدمات، ما يجعل استمرار استضافة أقاربها من النازحين عبئاً متزايداً.
وتغادر غالبية العائلات النازحة منازلها تحت ضغط الخوف، ما يحرمها من حزم الأمتعة؛ ويقتصر ما تحمله على بعض الملابس والوثائق الثبوتية، فيما يظل الأثاث والمتاع ومخزون الطعام رهين منازل قد لا تتاح فرصة العودة إليها قريباً. وفور الوصول إلى الوجهة الجديدة، تظهر قائمة متطلبات لا تحتمل التأجيل، تشمل البحث عن مأوى مؤقت، ومياه صالحة للشرب، وطعام، وأدوية، وملابس، ومستلزمات نظافة شخصية.
وتزداد عملية الانتقال تعقيداً عندما تضم الأسرة أطفالاً أو مرضى أو مسنين، وتؤدي الكلفة الباهظة للنقل، وصعوبة إيجاد مساكن إلى تعميق احتمالات البقاء في ظروف إيواء قاسية أو غير ملائمة. كما يواجه النازحون معضلات تتعلق بضعف الوصول إلى الرعاية الصحية، وانقطاع الأطفال عن التعليم، وأمام هذا الواقع، تضطر أسر عديدة إلى خيارات مثل تقليص الوجبات الغذائية، أو تأجيل تلقي العلاج، أو الاستدانة لتأمين الغذاء، في ظل مشهد ضبابي ليس فيه أي أفق زمني محدد للعودة إلى بيوتهم.
ولا تقتصر التداعيات على النازحين الجدد؛ فالأسر التي نزحت في موجات نزاع سابقة لا تزال تصارع لتأمين مقومات الحياة، وتجد نفسها مجبرة على الانتقال مجدداً كلما اتسعت رقعة المواجهات. ويؤدي هذا النزوح المتكرر إلى استنزاف كامل لمدخراتها الشحيحة، وفقدان فرص العمل المؤقتة، وتعطيل تعليم الأطفال، في ظل تآكل شبكات الدعم الاجتماعي التي تعتمد عليها للبقاء.
وتكشف هذه الموجات المتلاحقة أن النزوح ليس مجرد حركة تنقّل سكانية، بل هو أزمة تمسّ السكن والصحة والتعليم ومصادر الدخل والحماية الشخصية؛ إذ يفرض كل انتقال جديد على الأسرة إعادة ترتيب تفاصيل حياتها من الصفر، وبينما تصارع العائلات للتكيّف مع هذا الواقع القاسي، تبرز الحاجة الملحة إلى استجابة إنسانية مرنة قادرة على مواكبة الديناميكية المتغيرة لحركة النزوح، بدلاً من الاكتفاء بتدخلات إغاثية محدودة، ويتطلب ذلك توفير مساعدات نقدية عاجلة، ومستلزمات إيواء طارئة، ومياه نقية، ورعاية صحية، مع دعم الأسر المضيفة، إلى جانب فتح الطرق، وتسهيل وصول المساعدات للمناطق المتضررة، وضمان حماية المدنيين خلال التنقّل.
النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.
المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗