هندسة الجوع في غزّة
لم أكن أمّاً قاسية، ولكني فرحتُ حين اكتشفتُ علاقة ساق طفلي المتدلية بإحساسه بسخونة ماء الاستحمام في الحوض الصغير. ولا أخفي أنني كنت أشعر بغبطة خبيثة، حين أراه يجذب ساقه إلى الأعلى، خوفاً من الماء الساخن، فحين كنت أعتقد أن هذه تجربة علمية تشبه ما تعلمناه عن ظاهرة الارتباط الشرطي مثلاً، سرعان ما طغت عاطفة الأمومة، وبدأتُ في اختبار سخونة الماء بذراعي المضمومة شفقةً على ولدي.
أما عندما كنتُ صغيرة، فكنت أسمع كثيراً مسمّى فئران التجارب، ولم أكن أتخيّل أن الفأر الذي أمضينا أياماً وجرّبنا ألف حيلة لكي نصطاده من مطبخ أمي الدافئ هو، بالنسبة إلى العلماء، أداة لتجربة دواء أو مراقبة سلوك، وأن هناك نتائج باهرة ستفيد العالم من جرّاء حبس هذا المخلوق الصغير. ولاحقاً، عرفتُ أن الفئران البيضاء المدلّلة والأكثر ذكاءً هي فقط التي تصلح لمثل هذه التجارب في المعمل. أما فئران مطبخ أمي الحبيبة، فلا تصلح إلا للمصايد والسحق بكعب حذاء أبي الضخم.
حتى كبرنا وعشنا الحياة بوجهها القاسي، اكتشفتُ أن حياة شعوبٍ بأكملها ومصاير أجيال حالية وقادمة ما هي في الحقيقة إلا حقل تجارب للدول العظمى، التي لا يهمّها سوى السيطرة والهيمنة الاستعمارية الطاغية. فما إن دقّ الجوع أبواب قطاع غزّة خلال حرب الإبادة، حتى بدا واضحاً أن هذا الأسلوب تجربة جديدة تُضاف إلى آلاف التجارب التي أُجريت على البشر، مثل إلقاء القنابل الذرية على هيروشيما وناغازاكي، وما تسبّب فيه ذلك من دمار وهلاك وتشوهات للبشر، لا يزال أثرها باقياً.
حين ألقت الولايات المتحدة القنبلتين الذريتين على المدينتين اليابانيتين في أغسطس/ آب 1945، فقد وفرت هذه الضربة للجيش الأميركي، على سبيل المثال، بيانات ميدانية هائلة عن التسمّم الإشعاعي وتأثيراته طويلة المدى في البشر والبيئة، التي لم تكن مفهومة بالكامل آنذاك. أما حين نمرّ عبر التاريخ ومآسي البشر من جرّاء تجارب الدول العظمى، فيجب أن نتوقف عند تجربة هندسة الجوع في قطاع غزّة، التي بدأت بمجاعة حقيقية اجتاحت القطاع في صيف 2025 نحو شهر ونصف شهر، وتحديداً منذ إعلانها في 22 أغسطس 2025 وحتى بدء سريان اتفاق وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر/ تشرين الأول من العام نفسه. وقد استفادت إسرائيل، بوصفها أداة تنفيذية، من هذه المجاعة في إجراء تجربة فعلية لبيان تأثير الجوع في البشر، ليس من الناحية الصحية فحسب، بل أيضاً من الناحية الأخلاقية، مروراً بالناحية الاجتماعية وأبعادها. وهنا، يبدو الجوع وكأنه ليس نتيجة جانبية للحرب، بل أداة مصمّمة بكل دقة، كما يفعل المهندس حين يصمّم منزلاً، ولكنها، في الوقت نفسه، تتغاضى عن معضلة كبرى، عدم إمكانية نقل التساؤل: "الناس جوعى، فكيف نساعدهم؟" إلى تساؤل غير وقح: إن الجهة التي تجعل الناس جوعى، لماذا لا تُحاسَب؟
على نطاق ضيّق، أو مؤلم، يمكن أن نصف كيف ساهم الجوع في تغيير تصرّفات البشر، فيما أفاد هذا كثيراً تجارب الدول التي أُجريت أيضاً في أفريقيا وشرق آسيا، مع اختلاف الأدوات وآلية التنفيذ. ففي وقت سابق، كانت مئات العائلات الغزّية تحتفظ بأكياس من الطحين بوصفها أماناً غذائياً، حتى طاول سوء التخزين هذا المخزون بسبب ارتفاع حرارة الطقس، فأصبح غير صالح للاستخدام، واضطرّ الناس البائسون إلى التخلص من هذه الكميات التالفة من الطحين، وهو مصدر تغذيتهم الأساسي، بعد أن عبقت أنوفهم برائحته الفاسدة.
وفي المقابل، وفي الوقت الذي تخلّص فيه الناس البسطاء من طحينهم الفاسد، بدأت المجاعة الثانية والخاطفة تدقّ الأبواب، من خلال إغلاق المعابر التي تدخل عبرها السلع الأساسية إلى القطاع من إسرائيل، بعد أن حقّقت الأخيرة مبتغاها من تسجيل ردود أفعال الناس تجاه الخيارات المتاحة، ما بين الجوع والطعام الفاسد. ولذلك تحافظ إسرائيل على أهل غزّة أحياءً، لأنها في حاجة إليهم من أجل تجارب أخرى لا تحمل قدراً من الإنسانية.
النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.
المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗