استقلالية العقل بين قوّة الحجّة وسلطة الانتشار
إذا كانت المنصّات الرقمية تمنح كلّ رأي فرصةً للظهور، فهل يملك الإنسان الشجاعة الفكرية لئلّا يحوّل كلّ ما يراه إلى قناعة؟ وهل يستطيع الاحتفاظ باستقلال حكمه حين يصبح انتشار الرأي، وما يحظى به من تفاعل، عاملًا في تحديد قيمته؟
لم تعد المسألة مُتعلّقة بحرية التعبير وحدها، بل بما يحدث للأفكار حين تدخل فضاءً تتنافس فيه على الانتباه. فالرأي لا ينتشر بقوّة حجّته بالضرورة، بل قد يستمدّ حضوره من قدرته على إثارة الانفعال، أو استقطاب الجمهور، أو مواكبة ما يشغل الاهتمام العام. وهكذا قد يسبق التفاعلُ فحصَ الفكرة، ويكتسب الرأي الشائع سلطةً تتجاوز ما يقدّمه من أسباب.
لا تكمن المشكلة في كثرة الآراء، بل في الطريقة التي يمكن أن تتحوّل بها كثرة تداولها إلى بديل من التفكير فيها. فالتعرّض لفكرة لا يعني الاقتناع بها، كما أنّ تكرارها لا يجعلها أكثر صدقًا. غير أنّ التكرار يمنحها ألفةً قد تُضعف المسافة النقدية تجاهها، فيما يوحي انتشارها الواسع بأنّها تحظى بقبول يجعلها جديرة بالتصديق. وقد يتعزّز هذا الانطباع حين يُقاس حضور الرأي بعدد التفاعلات التي يحصدها، مع أنّ التفاعل قد يدلّ على الإعجاب أو الغضب أو الرفض، ولا يثبت في ذاته اقتناع الجمهور بصحّته. بذلك، قد تنتقل الفكرة من مجرّد رأي مُتداول إلى قناعة راسخة، لا لأنّ حجّتها خضعت للفحص، بل لأنّ حضورها المُتكرّر جعلها مألوفة.
قد تنتقل الفكرة من مجرّد رأي مُتداول إلى قناعة راسخة، لا لأنّ حجّتها خضعت للفحص، بل لأنّ حضورها المُتكرّر جعلها مألوفة
تتّضح هنا مشكلة استقلال الحكم: قد يكون الإنسان مُحاطًا بآراء متعدّدة، من دون أن يكون مستقلًّا في تقييمها. فوفرة الخيارات لا تضمن حرية التفكير، كما أنّ القدرة على الاختيار لا تعني بالضرورة سلامة الاختيار. وبين الرأي الذي يصل إلى الإنسان والرأي الذي يتبنّاه، تقع المسافة التي يُختبر فيها استقلاله الفكري؛ أي المسافة بين التلقّي والتصديق، وبين التأثّر والاقتناع.
يضع الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط استقلال العقل في صلب التنوير، إذ يرتبط النضج الفكري بقدرة الإنسان على استعمال عقله من دون أن يستعير حكمه من سلطة أخرى. وفي البيئة الرقمية، لا تظهر هذه السلطة دائمًا في صورة مرجع يفرض رأيه، بل قد تتشكّل من ضغط الجمهور نفسه: رأيٌ يحظى بتفاعل واسع فيزداد حضورًا، وآخر يُهمَل فيتراجع عن مجال الانتباه. ولا تكمن خطورة هذا الضغط في أنّه يفرض على الفرد ما ينبغي أن يعتقده، بل في أنّه يجعل بعض الآراء أكثر بروزًا وجاذبية، فيؤثّر في ما يراه جديرًا بالاهتمام والتصديق.
بين الرأي الذي يصل إلى الإنسان والرأي الذي يتبنّاه، تقع المسافة التي يُختبر فيها استقلاله الفكري
ومن زاوية أخرى، يتيح فكر هابرماس التمييز بين تواصل يستمدّ قوّته من الحجّة، وتواصل يسعى إلى التأثير في المتلقّي. فليس كلّ خطاب مؤثّر قائمًا على أسباب مُقنعة، وليس كلّ تفاعل دليلًا على تفاهم عقلاني. قد ينجح رأي في إثارة الغضب أو استمالة الجمهور، من دون أن يقدّم حججًا تصمد أمام النقاش. وعندما يصبح عدد التفاعلات مؤشّرًا إلى نجاح الخطاب، يتراجع الاهتمام بوجاهة الفكرة لمصلحة سؤال آخر: كم شخصًا تفاعل معها؟ عندها، لا يعود التفاعل مجرّد استجابة للرأي، بل قد يتحوّل إلى مقياس مضلّل لقيمته.
لا تكمن المفارقة، إذن، في أنّ التكنولوجيا أتاحت الكلام للجميع، بل في أنّ اتساع فرص التعبير لا يضمن اتساع فرص التفكير المتأنّي. فالنشر قد لا يستغرق سوى لحظات، أمّا فحص الفكرة فيحتاج إلى وقت ومراجعة واستعداد لاحتمال الخطأ. وحين تُختزل المشاركة في سرعة الردّ وكثافة التفاعل، يصبح تثبيت المواقف أسهل من مراجعتها، ويغدو الانتصار للرأي أهمّ من اختبار وجاهته.
لا تُقاس استقلالية العقل بما يستطيع الإنسان قوله، بل بقدرته على التمييز بين ما يثيره وما يقنعه، وبين ما يحظى بالانتشار وما يصمد أمام الفحص. فقوّة الحجّة لا تُستمدّ من عدد المتفاعلين معها، كما أنّ شيوع الرأي لا يكفي لإثبات صحّته. وإذا كانت حرية الرأي تتيح تعدّد المواقف، فإنّ استقلالية العقل تقتضي ألّا يتحوّل أيّ رأي إلى حقيقة لمجرّد أنّه حظي بالانتشار. ولعلّ العلامة الأوضح على هذا الاستقلال أن يبقى السؤال حاضرًا، حتى حين يبدو أنّ كثرة التفاعل قد حسمت الإجابة.
النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.
المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗