شهداء كنيسة حمود.. 9 حكايات منقطعة في الأردن
خالد ميخائيل الهلسه، ومحمد يوسف عودة القسوس، وعاصم إميل البرقان، وفادي عاصم الهلسه، ومروان خليل خيطان، وعلاء خليل المصاروة، وإيهاب نايف الهلسه، وماهر عادل زريقات، ومازن رسمي القسوس؛ هؤلاء هم الشهداء التسعة الذين سقطوا في الهجوم المسلح الذي استهدف كنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس بقرية حمود بمحافظة الكرك، جنوبيّ الأردن، يوم الجمعة الماضي.
لم يكن هؤلاء الشهداء مجرّد أسماء في حصيلة الجريمة التي هزّت المنطقة، بل أصحاب حكايات قطعتها رشقات الرصاص؛ هي حكايات إنسانية ومهنية واجتماعية تركت أثرها في عائلاتهم ومحيطهم. ففي الثالث والعشرين من أكتوبر/ تشرين الأول 2026، شهد الأردن سقوط مواطنيه هؤلاء؛ من بينهم أطباء جعلوا من خدمة المرضى أولوية لهم، وأكاديمي حمل همّ وطنه إلى الخارج ثمّ عاد ليعلّم أبناءه، وشاب لم يمضِ على تخرّجه طبيب أسنان سوى أشهر، وآخرون نسجوا علاقاتهم بالناس من خلال العمل والحياة اليومية.
وتتقاطع حكايات الشهداء التسعة عند علاقة وثيقة بالكرك وأهلها، وإن اختلفت في تفاصيلها وأحلامها ومساراتها. وفي شهادات أدلى بها أقارب هؤلاء وأصدقاؤهم، تجاوزت صورهم لحظة الرحيل ليُستعاد بعض من الحياة التي عاشوها ما بين العائلة والعمل والعلم، وقد استعيدت كذلك أحلام هؤلاء التي انقطعت قبل تتحقّقها.
خالد ميخائيل الهلسه
لم يكن طبيب الأسنان الأردني خالد ميخائيل الهلسه يتعامل مع الطبّ بوصفه مهنة لكسب المال، بل رسالة إنسانية جعلته قريباً من مرضاه، حتى أنّه لم يكن يتردّد في العودة إلى عيادته ليلاً لتخفيف ألم أحدهم، ولو تطلّب الأمر قطع مسافة تزيد على 60 كيلومتراً. وقد عُرف خالد بين أبناء الكرك بلقب "طبيب الفقراء"، بعدما اعتاد معالجة كثيرين مجاناً أو في مقابل بدل رمزي، مفضّلاً البقاء إلى جانب أهل مدينته بدلاً من السعي وراء فرص العمل في العاصمة عمّان.
وكان خالد الهلسه قد تابع دراسته في طب الأسنان في رومانيا، ليعود إلى الأردن في عام 1982، وقد اختار فتح عيادته الخاصة في الكرك، حيث كان من أوائل أطباء الأسنان في المنطقة. وبحسب عديله خالد برقان، تلقّى الطبيب الراحل عروض عمل في خارج مدينته، وتمسّك بالبقاء فيها، انطلاقاً من ارتباطه بأهلها وإيمانه بأهمية تقديم الرعاية الطبية لهم.
ويقول برقان لـ"العربي الجديد" إنّ لقب "طبيب الفقراء" لم يأتِ من فراغ، إذ كان الهلسه يقدّم العلاج مجاناً لغير القادرين على تحمّل تكاليفه، فيما كان يتقاضى بدلات من المرضى المقتدرين مادياً. ويضيف أنّ المال لم يكن أولوية في حياة خالد، الذي اكتفى بما يحتاج إليه لتدبير شؤونه اليومية، من دون أن يسعى إلى جمع الثروة، وعلّم أبناءه ممّا ورثه من أموال وأراضٍ. ولم تنحصر إنسانية خالد في علاقته بمرضاه، بل امتدّت إلى محيطه الاجتماعي، إذ كان يعرف أحوال الناس ويتعامل معهم بمحبة وبروح تكافل.
وفي حياته العائلية، حرص خالد، وفقاً لعديله، على تعليم أبنائه وتوفير فرص علمية لهم؛ فدرس ابنه الأكبر الطب وتخصّص في الأمراض الباطنية في الولايات المتحدة الأميركية، فيما عمل ابنه الآخر في المحاسبة بالعاصمة عمّان. كذلك تابعت إحدى ابنتَيه دراستها في الجامعة الأميركية في بيروت، ثمّ عملت في الولايات المتحدة وأسّست مكتباً للهندسة يحمل اسم العائلة، فيما حصلت ابنته الأخرى على درجة الماجستير في الصيدلة من الولايات المتحدة. يُذكر أنّ زوجة خالد كانت طبيبة بدورها، وعملت بعد تقاعدها مديرةً لجمعية تنظيم وحماية الأسرة في الكرك.
أمّا الوصية التي ظلّ الهلسه يردّدها لأبنائه، فتختصر نظرته إلى مهنته؛ فقد حثّهم على التمسّك برسالة الطب الإنسانية، قائلاً "أوعى (حذار أن) تكون تاجراً، أنت طبيب". وبحسب برقان، لم يكن الطبيب الراحل يعلّم أبناءه مهنة فحسب، بل كان يدفعهم إلى جعل الإنسان محور عملهم، بعيداً عن تغليب المكاسب المادية على حاجات المرضى.
محمد يوسف عودة القسوس
بدوره كان محمد يوسف عودة القسوس طبيب أسنان، ولم يكن رحيله مجرّد خسارة لطبيب في الأردن عُرف بمساعدة الفقراء والمحتاجين، بل فقدان شخصية ارتبط اسمها بالحياة الاجتماعية والسياسية في مدينة الزرقاء، إلى شمال شرقي العاصمة عمّان، وبفكرة الانتماء العربي المشترك بين المسلمين والمسيحيين.
والقسوس المسيحي كان يحمل اسم محمد، الذي اختاره له والده انطلاقاً من قناعاته القومية وإيمانه بالهوية العربية الجامعة. ولم يكن الاسم، بحسب ما يرويه خالد برقان، موضع استغراب في العائلة، التي لم ترَ في اختلاف الانتماء الديني سبباً للفصل بين الناس أو التمييز بينهم.
وُلد محمد القسوس في الزرقاء في عام 1955، وتلقّى تعليمه المدرسي فيها، قبل أن يسافر إلى رومانيا لدراسة طب الأسنان، ويحصل على شهادته في عام 1982. وبعد عودته إلى الأردن، فتح عيادة في شارع بغداد، وسط المدينة. ولم تكن العيادة مجرّد مكان لتقديم العلاج، بل مساحة مفتوحة أمام المواطنين، وملتقى لشخصيات وفعاليات اجتماعية وسياسية.
وامتدّ حضور محمد إلى العمل العام، إذ كان عضواً في مجلس بلدية الزرقاء بين عامَي 1995 و1998، وكذلك عضواً في نقابة أطباء الأسنان الأردنيين، ونال أكثر من تكريم في مجال العمل الخيري والتطوعي. وسار على خطى والده، طبيب الأسنان الراحل يوسف القسوس، الذي كان من أوائل المقيمين في الزرقاء، وأمضى فيها نحو خمسين عاماً، مخلّفاً أثراً في العمل الخيري والتطوّعي.
وانعكس إرث يوسف على مسيرة ابنه محمد، الذي ارتبط اسمه بمساعدة المرضى غير القادرين على تحمّل تكاليف العلاج، وعُرف هو الآخر بلقب "طبيب الفقراء". كذلك خاض محمد الانتخابات النيابية مرّتَين، وحظي بدعم شعبي واسع، بحسب برقان، على الرغم من عدم نجاحه في الوصول إلى مجلس النواب.
ويقول برقان إنّ نهج خدمة الناس والابتعاد عن التعامل التجاري البحت لم يقتصر على طبيب واحد، بل شكّل سمة لدى عدد من أطباء الأسنان الذين عرفهم الأردن. ويضيف أنّ ما ميّز محمد وأمثاله لم يكن المعرفة الطبية وحدها، بل قربهم من الناس وشعورهم بمعاناتهم.
وترك محمد ثلاثة أبناء، هم يوسف والمهندس تامر والمهندسة رولا. وبوفاته، فقدت عائلته والداً، وخسر محيطه الاجتماعي طبيباً جعل من عيادته مساحة مفتوحة أمام الناس، في صورة تختصر جانباً من تاريخ التعايش والعمل الأهلي في الزرقاء.
عاصم إميل البرقان
جمع عاصم إميل البرقان بين التخصّص الأكاديمي في العلوم السياسية والعلاقات الدولية والانحياز إلى قضايا وطنه. وبعد متابعة تعليمه الإعدادي في مدرسة حمود والثانوي في الكرك، سافر إلى بولندا في مطلع تسعينيات القرن الماضي، حيث حصل على درجاته العلمية من جامعة "وارسو"، وتعلّم اللغة البولندية، واستخدمها في نقل قضايا العروبة وفلسطين إعلامياً هناك.
ولم تقطع الغربة صلات عاصم بوطنه، إذ عاد إلى الأردن وعمل في التدريس الأكاديمي متنقلاً بين جامعات عدّة، قبل أن يصبح محاضراً متفرّغاً في "الجامعة الهاشمية" في عام 2015. ولم تقتصر علاقته بطلابه على المحاضرات؛ فقد عرفوه أستاذاً يفتح مكتبه لمساعدتهم، ويشجّعهم على مواصلة الدراسة، ويتعامل معهم باهتمام يتجاوز حدود العلاقة الأكاديمية.
ويستعيد المهندس معتز الهلسه، ابن عم عاصم وصديق طفولته وشبابه، في حديث إلى "العربي الجديد"، تلك العلاقة بعبارة تختصر سنوات من الرفقة: "عاصم ابن صفّي، عشنا معاً، وكبرنا سوياً". فقد درس الاثنان معاً حتى الصف الثالث الإعدادي في مدارس قرية حمود، ثمّ انتقلا إلى مدرسة الربة لاستكمال تعليمهما، وتقاسما تفاصيل الحياة اليومية. بعد ذلك، سافر الهلسه إلى الاتحاد السوفييتي، فيما اتّجه البرقان إلى سورية ثمّ بولندا، حيث أكمل دراساته العليا في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، ونال الماجستير والدكتوراه، قبل أن يؤسّس عائلة.
وبحسب الهلسه، ظلّ البرقان قريباً من أصدقائه وأقاربه بعد عودته إلى الأردن واستقراره فيه، علماً أنّه كان قد حمل معه همّ الوطن أينما ذهب. ففي سنوات إقامته في بولندا، ظهر على شاشات التلفزة المحلية متحدثاً بلغتها، ومحللاً الأحداث الأردنية ومعبّراً عن قضايا بلاده.
وامتدّت العلاقة بين الصديقَين إلى الأبناء، الذين درسوا في المدرسة نفسها، وتبادل أفراد العائلتَين المساعدة في إيصالهم إلى دوامهم. ويقول الهلسه إنّ صديقه ظلّ متواضعاً وبسيطاً، ولم تفصله مكانته الأكاديمية عن أبناء قريته أو طلابه.
وبعد رحيل عاصم، استعاد طلابه ذكرياتهم معه، وتحدّثوا عن أستاذ نظر إليهم كما لو كانوا أبناءه. أمّا الهلسه، فيستحضر صديق عمره الذي رافقه من مقاعد الدراسة إلى تأسيس عائلتَيهما، قبل أن ينتهي به المطاف إلى جوار أهله في مقبرة عائلة البرقان. بالنسبة إليه، لم يكن عاصم مجرّد ابن عمّ، بل رفيق حياة حمل علمه إلى الخارج، ثمّ عاد ليضعه في خدمة بلاده وطلابه.
فادي عاصم الهلسه
لم يكن قد مضى على تخرّج فادي عاصم الهلسه، الذي كان يبلغ من العمر 23 عاماً، في اختصاص طب الأسنان بجامعة الإسكندرية، ثلاثة أشهر، حين عاد إلى الكرك بعد خمس سنوات من الدراسة والغربة. فاحتفل فادي بتخرّجه بين أهله وأصدقائه، حاملاً آمالاً ببداية مهنية جديدة، قبل أن ينتهي مستقبله الواعد في الهجوم على كنيسة حمود. وترك رحيله لدى عائلته وأصدقائه وجعاً مضاعفاً؛ هم فقدوا شاباً لم تتح له الفرصة ليبدأ حياته المهنية ويحقّق أحلامه.
مروان خليل خيطان
ولد مروان خليل خيطان في عام 1953 في قرية حمود بالكرك، وارتبطت حياته بالعمل السياسي والفكر الشيوعي منذ شبابه. شارك في مهرجان الشباب العالمي في الاتحاد السوفييتي في عام 1985، واعتُقل على مدى ثلاث سنوات في سجن الجفر في ثمانينيات القرن الماضي.
وفُصل مروان من عمله المصرفي في الأردن بسبب نشاطه السياسي، غير أنّه واصل مسيرته الحزبية حتى أصبح عضواً في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الأردني. وبعد عمله في وظائف مختلفة، تقاعد من وزارة الزراعة، التي كانت آخر محطاته العملية، وتفرّغ لبستانه الصغير.
علاء خليل المصاروة
كان علاء خليل المصاروة، الذي كان يبلغ من العمر 55 عاماً، من أبناء الكرك الذين نسجوا علاقات اجتماعية بمحيطهم. تخرّج من إحدى كليات المجتمع، وعمل في التجارة، وكان آخر مشاريعه متجراً صغيراً يفتح أبوابه باكراً ويعود منه مساءً إلى عائلته ووالدته التي كانت تسكن معه. وبعد إغلاق متجره، عمل علاء مندوب مبيعات بين عامَي 2018 و2024. وعرفه أصدقاؤه بأنّه واسع العلاقات، حاضر في مناسبات المسلمين والمسيحيين، ومبادر إلى مساعدة زملائه.
إيهاب نايف الهلسه
درس إيهاب نايف الهلسه، الذي كان يبلغ من العمر 54 عاماً، ميكانيك الآليات الثقيلة، وعمل في ورشة قبل أن تجبره إصابة في ظهره على التوقّف عن العمل. ويستذكره من عرفوه محبّاً للسيارات، وخفيف الظل، وشخصاً على قدر المسؤولية منذ طفولته بعد وفاة والدته.
ماهر عادل زريقات
كان ماهر عادل زريقات، الذي كان يبلغ من العمر 56 عاماً، يعمل في مستودع للأدوية في مديرية صحة الكرك، حيث كان يتولّى تجهيز طلبيات المراكز الصحية بدقّة وسرعة، حتى أنّ زملاءه كانوا يجدون سجلاته جاهزة قبل استكمال أعمالهم. ولد في قرية الربة، ودرس الصيدلة في خاركيف بأوكرانيا، ثمّ عمل في شركة أدوية وفي الصيدلية الداخلية لدى المستشفى الإيطالي بالكرك، قبل انتقاله إلى مديرية الصحة.
وخارج إطار العمل، كانت عائلته تشغل معظم وقته؛ فلم يكن من هواة السهر أو الانشغال بنفسه، بل وجد في حياته اليومية بين العمل والعائلة مساحة للاستقرار.
مازن رسمي القسوس
كان مازن رسمي القسوس محامياً، وقد توفي متأثراً بجروحه التي أصيب بها خلال الهجوم المسلّح على كنيسة حمود بالكرك. وبرحيله، امتدّت خسارة الجريمة إلى عائلته ومحيطه الاجتماعي والأوساط القانونية التي ينتمي إليها.
النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.
المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗