27 تشرين الأول 2026 من نحناتصل بناالسياق مرئيأخبار قصيرةخاص بالسياقمصادرناالنشرة البريديةRSS
الخبر في سياقه
طقس بغداد: جارٍ التحديثأسعار الصرف المرجعية: جارٍ التحديث
عاجل
🔗 /si/37076

طاقات الداخل لمواجهة الأزمة في سورية

مضى قرابة 20 شهراً على تسلم الحكومة الحالية مهامها، وهي ليست مدة قصيرة لإنجاز ملموس، ولكنها ليست طويلة لإنجاز الكثير، خصوصاً وأن سورية بقيت طوال عام 2025 وجزء من 2026 تحت عقوبات دولية لم تنتهِ ذيولها بعد. ويمكن أن نعدد ما أنجزته السلطة الحالية على أكثر من صعيد، ولكن ما ينتظره الجمهور السوري أكثر بكثير.

ما ينتظره الجمهور السوري كثير، خصوصاً إعادة الإعمار وإعادة اللاجئين والمهجرين وتحسين خدمات الماء والكهرباء والتعليم والطبابة والنقل وإيجاد فرص عمل كثيرة بأجور أعلى تمكن الأسرة من العيش بكرامة.

نعم، خذل العالم سورية، هذا ما قاله وزير الطوارئ وإدارة الكوارث، رائد الصالح، ولعل وزارته هي العنوان الرئيس للمرحلة التي تمر بها سورية، لما تعانيه من أزمات، ويمكن أن نعدد الكثير من الأزمات، ولكن أزمتها المالية هي الأكبر والأصعب، وهي التي تفرّخ أزمات أخرى مثل أزمة ثقة بالمستقبل، وأزمة ثقة بالسلطة، التي وعدت أن تجعل سورية مثل سنغافورا، وبالطبع الوصول إلى سنغافورا لا تكفيه الرغبة، فثمة شروط واشتراطات كثيرة، وهي تحتاج لبرنامج ولمدى زمني لا يقل عن عقدين أو ثلاثة، هذا إذا كنا نسير في الاتجاه الصحيح. وبالتالي، نحتاج أن نفحص مسارنا لنتأكد من أننا في المسار الصحيح.

تبلغ الاحتياجات مئات مليارات الدولارات، والاقتصاد مدمر، وخاب أملنا بمساعدات كانت متوقعة ومنتظرة، وخصوصاً من دول مجلس التعاون الخليجي ومن تركيا أيضاً، فسقوط النظام يعني بلغة السياسة تغييراً استراتيجياً ضد التدخل والوجود والنفوذ الإيراني في المنطقة، وهو تغيير لصالح دول الخليج وتركيا، لذلك تستحق سورية ويستحق الشعب السوري اليوم أن يُدعم دعماً كبيراً، بغض النظر عمن يقبض على السلطة، لأنه بات واقعاً مسلماً به، ولكن دعم الإخوة والأصدقاء اقتصر على التهنئة والتمنيات الطيبة والدعم السياسي الذي لعب دوراً بإقناع ترامب ليرفع العقوبات. ورغم أهمية ذلك، فإن الحب لا يملأ المعدة، وإن تلك المساعدات المادية، التي لم تأت، ويبدو وكأن ثمة أوامر بعدم مساعدة سورية، كانت ستلعب دوراً كبيراً في إطلاق عجلة الاقتصاد وعجلة إعادة لإعمار.

مع شحّ الموارد الداخلية التي يمكن أن ينتجها اقتصاد مدمر، اتجهت السلطة نحو الاستثمارات الخارجية، ففتحت أبوابها لكل من يريد وبأسهل الشروط، والاستثمارات ليست مساعداتٍ تدخل الخزينة العامة وتنفق للنفع عاماً، بل هي مال يهدف إلى الربح، ويمكن أن يدرّ دخلاً لخزينة الدولة عبر الضرائب والرسوم، إضافة لخلق فرص عمل، ولكن هذا يحتاج زمناً كي يعطي نتائج ملموسة، بينما نحتاج الكثير الآن. ورغم الترحيب بالاستثمارات والأمل الذي علق عليها، فإنها ما زالت مترددة في القدوم، والاستثمارات التي جاءت تركزت في الطاقة، وهي مهمة، ثم في العقارات التي تناسب الميسورين، وتتمركز في دمشق وبعض المدن، بينما تفتقد مناطق أخرى واسعة أي استثمارات ذات قيمة، فيما الحاجة الكبرى هي حاجة الفقراء من أصحاب البيوت المهدّمة وشبه المهدمة وتبلغ نحو مليون بيت تتوزع على مساحة الوطن السوري.

يظهر بوضوح أن السلطة عولت على الخارج وحسب، وهذا مطلوبٌ الاستمرار فيه، بينما أغفلت الداخل، ولم تولِه الاهتمام الذي يستحق، فلم نر برامج ولا جهوداً تبذل لإطلاق الاقتصاد السوري

ومع عدم تدفق الاستثمارات، رغم رفع العقوبات، بقيت السلطة في دمشق تنتظر، ونظراً إلى حاجتها للأموال كي تقوم بمهامها، مدّت يدها إلى جيوب المواطنين، ومعظمها جيوب فارغة، فرفعت أسعار الخبز وبعدها أسعار الكهرباء وبعدها أسعار المحروقات، وتتمسك بقرارات الاستملاك الظالمة التي اتخذها نظام الأسد، فلا تتراجع عنها، رغم أنها ساقطة حتى بموجب قانون الأسد نفسه، لأنها تريد أن تحقق إيرادات كبيرة منه من خلال بيعها للمستثمرين بأسعار مرتفعة. وقد أثار هذا كله موجة عنيفة مستمرة واسعة من الاحتجاجات، على رفع الأسعار وعلى الاستملاك الظالم، وعلى تغيير قواعد استئجار المتجر، وعلى رفع أجور عقارات الأوقاف، واحتجاجات وعلى تسعير محصول القمح واحتجاجات بسبب تراكم القمامة واحتجاجات على مظاهر بذخ المسؤولين وغيرها من احتجاجات. وقد بقيت آذان السلطة صماء تجاه كل هذه الاحتجاجات، إذ بقيت السلطة على عنادها، لأنها، كما أتصور، أمام خيارين أحلاهما مر، إما أن تخفض الأسعار وتتنازل عن الإيرادات، وتصبح سلطةً إيراداتها أقل وهي أكثر عجزاً عن القيام بمهامها الأساسية، بما يعني أيضاً تراجع خدمات الصحة التعليم وغيرها، أو تستمر في عنادها والتمسك بمصادر إيراداتها، بالأسعار السائدة التي يعجز معظم المواطنين عن دفعها، وتواجه غضباً شعبياً مستمراً واسعاً لم يهدأ، ومن حاضنتها أولاً، ولكنها تستمر بتحقيق إيرادات أعلى وتستمر بالقيام بمهامها، وهي تأمل أن تأتي الاستثمارات سريعاً لتخلق فرص العمل بأجور مرتفعة تمكّن المواطن السوري من تحمّل تلك الأسعار المرتفعة. ومع تأخّر قدوم الاستثمارات تصبح هذه اللعبة تهدّد بانفجار الوضع، وهذا أسوأ ما يمكن أن يحصل، ولنا جميعاً مصلحة في ألا يحصل.

ما العمل؟

هنا يظهر بوضوح أن السلطة عولت على الخارج وحسب، وهذا مطلوبٌ الاستمرار فيه، بينما أغفلت الداخل، ولم تولِه الاهتمام الذي يستحق، فلم نر برامج ولا جهوداً تبذل لإطلاق الاقتصاد السوري بما يتوفر من إمكانات داخلية، رغم الطلب من الوزارات أن تضع رؤى واستراتيجيات افتقدت الرؤية الشاملة والتنسيق البيني، وبقيت تحت حكم ندرة الإيرادات لنقلها لأرض الواقع، بينما استمرت الوزارات بعملها اليومي تفعل ما هو طارئ وآني. وسأذكر هنا مجرد رؤوس أقلام لبعض ما يمكن فعله، فهذا الموضوع لا يحتويه مجرد مقال، بل يحتاج لورش عمل نقاشات داخلية.

الفكرة الرئيسية إطلاق الداخل، مع استمرار الجهور باتجاه الخارج، وهذا يكون بموجب برنامج مدروس بعناية لتحشيد طاقات المجتمع السوري المادية والبشرية، اعتماداً على الإمكانات الداخلية، ويكون ذلك عبر برنامج متكامل، يطور عبر تحضير جيد لورشة تعقد بناءً على ورقة خلفية تحتوي مخططاً ومعايير لتحضير أوراق سياسات، على أن يكلف خبراء من مختلف قطاعات الاقتصاد الوطني مع خبراء في السياسة الاجتماعية والإدارة العامة، وتعقد الورشة لمدة أسبوع، لمناقشة الأوراق ضمن مجموعات تخصصية لكل ورقة للخروج باستنتاجات وتوصيات خاصة بالقطاع قابلة للتنفيذ، باستخدام الموارد المادية والبشرية المتاحة، سواء كانت توصية محددة أو توصية بإطلاق برنامج تُعد له وثيقة توجيهية، ثم عقد لقاء عام ليومين للخروج ببرنامج عملي موحد مدمج لكافة القطاعات التي يجب أن تنسق مع بعضها.

أقدّر أننا سنخرج ببرنامج فعال للزراعة النباتية والحيوانية، وهنا يمكن فعل الكثير، فلدينا الأرض والمياه والمناخ وقوة العمل، ونحتاج لتطوير العمل التعاوني، مع تأسيس منظمة للإرشاد التعاوني الزراعي من جهة، وتعديل قانون العلاقات الزراعية وفتح سقف ملكية الأرض وتشجيع الاستثمار الرأسمالي للزراعة ودخول رؤوس أموال كبيرة تدخل زراعات جديدة وطرق إنتاج حديثة، تستخدم التقنية والعلوم لإعطاء إنتاجية أعلى، والاهتمام ذاته بالثروة الحيوانية وخاصة الأغنام والأبقار، وتحفيز قيام مشروعات زراعية صناعية لصناعات تقوم على المنتجات الزراعية، ودراسة استثمار البادية بشكل أفضل، بما في ذلك زراعات أشجار خاصة بها، وغيرها.

أقدّر أن الورشة ستخرج بأفكار واقتراحات ملموسة لعودة الاهتمام بالصناعات التي تملك بها سورية تقاليد وأسواقاً، وإعادة إحيائها، مثل صناعات المنسوجات والملبوسات وتطوير صناعة مواد البناء، إلى جانب صناعات أخرى، والأهم إزالة العقبات البيروقراطية. كما ستجد الورشة أفكاراً لبناء مساكن بتكاليف متدنية تكون جزءاً من إعادة الإعمار وإعادة الاهتمام بالقطاع التعاوني السكني، وتفعيل الإقراض المصرفي لبناء المساكن.

يجب وضع تصور شامل للإسراع بإعادة تأهيل كافة حقول النفط والغاز خلال عامين وإعادتها للإنتاج، لإنتاج حاجة سورية من المشتقات النفطية والغاز بحيث نستغني عن الاستيراد منذ الآن وحتى عشر سنوات. وسيكون لهذا تأثيرٌ جيدٌ على الوضع المالي لخزينة الدولة.

الإحصاءات والأرقام هي كالضوء في العتمة، فالقرار السليم يقوم على معرفة، والمعرفة اليوم تحتاج لمعلومات، ومن هنا تبرز ضرورة تفعيل هيئة التخطيط والإحصاء

ويمكن لقطاع السياحة أن يلعب دوراً كبيراً، ولكن شرطه الرئيس الاستقرار، ويمكن إعادة تنشيط السياحة بأنواعها، مثل السياحة الدينية مع العراق وحتى مع إيران، والسياحة الدينية للمسيحيين، فالمسيحية انطلقت من دمشق مع القدّيس بولس، من الشارع المستقيم (مدحت باشا حاليا)، ويمكن أن تجتذب مئات الآلاف بداية وتتطور إلى ملايين، ثم سياحة الترفيه للخليجيين، والسياحة الثقافية للأوروبيين، والسياحة الطبية للجميع، وهي سياحة واعدة بحكم الشهرة التي يملكها الأطباء السوريون وانخفاض التكاليف، وهي أقلّ من تركيا، وتحتاج لمستشفيات خاصة جديدة تقوم لهذه الغاية، وهي فرصة لرؤوس الأموال الكبيرة.

بالتأكيد، ستخرج الورشة باقتراحات عديدة وأفكار ذات قيمة، غير أن كل تلك الأفكار والمقترحات لن تجد طريقها إلى التنفيذ بكفاءة، حتى لو أرادت السلطة هذا، ما لم يتم تشكيل مناخ صديق للتنمية ولهذا المناخ شروط كثيرة يمكن أن نذكر أهمها.

بالتأكيد في طليعتها وقبل كل شيء، الاستقرار، فهو شرط أول لإطلاق الاقتصاد الوطني، من دون انتظار مساعدات خارجية وشرط لقدوم استثمارات سورية وعربية وأجنبية، ثم لا يعمل أي اقتصاد في عالم اليوم بدون نظام بنكي نشط، مرتبط بالعالم. وبانتظار هذا، يمكن تنشيط نظام بنكي داخلي بالليرة السورية، من دون انتظار الربط مع النظام العالمي الذي لا بد من استمرار العمل من أجله، ولكن تأخّره يجب ألا يدفعنا لنقف مكتوفي الأيدي، إذ يمكن مناقشة فكرة تعزيز الشبكة الإلكترونية بين المصارف السورية وتنشيط الدفع بالتحويلات البنكية والدفع ببطاقة دفع محلية تصدر محليا وبالليرة السورية. طبعا مع استمرار الجهود لبناء نظام بنكي معافى يعمل وفق قاعد الأنظمة العالمية ومرتبط بها.

الإحصاءات والأرقام هي كالضوء في العتمة، فالقرار السليم يقوم على معرفة، والمعرفة اليوم تحتاج لمعلومات، ومن هنا تبرز ضرورة تفعيل هيئة التخطيط والإحصاء، وتفعيل وظيفة الدراسات، فكل قرار كبير يجب أن يقوم على دراسة مسبقة، هكذا فعلت الدول الناجحة.

ثم لا يمكن فعل شيء بشكل منتج وفعال بدون كادر كفء راكم خبرات سابقة، وهذا يقتضي بالطبع مراجعة السياسة التي اتبعت حتى الآن في مؤسسات الدولة باستبعاد كادرات مؤسسات الدولة، ممن راكموا خبرات كبيرة، وقد لمسنا الإرباك الذي تعانيه مؤسسات الدولة بسبب الاستخفاف بالخبرات وإحلال أشخاص مكانهم يفتقدون الخبرة، ومعظم هؤلاء لم يكونوا من الفاسدين ولا الشبيحة، ولكنهم عملوا لتأمين سبل عيشهم، وهذا يتطلب الانفتاح على كل من يريد أن يخدم مستقبل سورية وشعبها، بما يعني ذلك خدمة السلطة القائمة اليوم.

يجب استنفار الشعب السوري بكامله، وانخراطه في نشاطات تُخرج البلاد من أزمتها، وهذا علاج لأكثر من الأمراض التي باتت تتفاقم بعد سقوط النظام

والأمر المهم الآخر لخلق مناخ صديق للإنتاج والتقدم، وتوطيد الثقة بين السلطة والشعب، هو الإعداد لحوار وطني يخرجنا من حالة الاستقطاب الطائفي والإثني الذي نما منذ سقوط النظام بدلاً من تراجعه، وسيطرة فكرة لدى فئات واسعة مفادها: "نحن المنتصرون، وإن تسامحنا معكم، فهذا كرم أخلاق منا، ولكنكم لستم مثلنا، فأنتم الخاسرون". والحوار يكون على قاعدة قيم المواطنية وتعريف المواطن ليس بدينه ولا بمذهبه، وإنما بالانتماء للشعب السوري.

لإشراك كل قوى المجتمع من أصغر قرية حتى العاصمة دمشق في المساهمة في الجهد العظيم للخروج من هذا الوضع الصعب الذي تواجهه سورية، لا بد من حوار آخر، يكون بين المجتمع السوري والسلطة، فهما ليسا شيئاً واحداً، والوصول إلى ميثاق وطني شامل هو بمثابة عقد اجتماعي يبلور الاتجاه الذي تسير فيه سورية، وإلى أين ستصل على صعيد النظام السياسي والنظام الاقتصادي والاجتماعي.

يمكن لصياغة قانون جديد للإدارة المحلية أن يستفيد من تجارب بلدان ناجحة، فهو يساعد على تحريك المجتمع من الأسفل ليكون شريكاً بالتنمية، وأن يكف عن انتظار الدولة من فوق في كل صغيرة وكبيرة، وأن يسهم في دعم الإنتاج ويجد حلولا للمسائل المحلية بأدوات وموارد محلية تدعم بنيان الدولة والمجتمع ككل.

ويزيد الثقة بالسلطة وبالمستقبل أن تجري جميع النقابات وغرف التجارة والصناعة والسياحة والزراعة انتخابات حرة لتشكيل مجالس إداراتهم بدلاً من تلك التي تم تعيينها بقرار. كما أن الشفافية والعلانية والمكاشفة بين السلطة والشعب تعزز ثقة الشعب بالسلطة، وتجعل الشعب أقدر على فهم بعض قراراتها المؤلمة جداً مثل رفع أسعار الخبز والكهرباء والمازوت، ووضع برنامج لتخفيضها تدريجيا إلى حدود يمكن لمعظم السوريين تحملها. وعلى السلطة أن تعلن عن ملكية شركة "طيبة للمحروقات" وشركة "اكتفاء الزراعية" و"شام كاش" وشركة "وتد للمحروقات"، ونتوقع أن تكون ملكيتها للحكومة كاملة، وأن تعلن عن كل خطوة بخصوص إحدى شركات القطاع العام الاقتصادي والخدمي.

بكلمة واحدة، يجب استنفار الشعب السوري بكامله، وانخراطه في نشاطات تُخرج البلاد من أزمتها، وهذا علاج لأكثر من الأمراض التي باتت تتفاقم بعد سقوط النظام.

النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.

المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗

أخبار ذات صلة

أبرز الأخبار في بريدك

اشترك لتصلك أهم الأخبار والتقارير.