28 تشرين الأول 2026 من نحناتصل بناالسياق مرئيأخبار قصيرةخاص بالسياقمصادرناالنشرة البريديةRSS
الخبر في سياقه
طقس بغداد: جارٍ التحديثأسعار الصرف المرجعية: جارٍ التحديث
🔗 /si/37065

صوت الصمت

تتوزّع في 29 سبتمبر/ أيلول من كل عام، في بلدان مختلفة عروض وفعاليات للاحتفاء بالسينما الصامتة، تلك السينما التي يبدو اسمها للوهلة الأولى مناقضاً ما كانت عليه عروضها الأولى؛ فالأفلام الصامتة لم تكن خالية تماماً من الصوت، وكانت تُعرض غالباً بمصاحبة الموسيقى الحية. كان غياب الكلام جزءاً من لغتها، لا غياباً للصوت نفسه.

ظهرت في أغسطس/ آب الماضي عبارة "المعازف حرام" على جدار معهد لتعليم الموسيقى في حيّ الميدان بدمشق. لم تكن العبارة نقاشاً حول الموسيقى، وإنما جاءت إعلاناً عن موقف منها، في مكان يرتاده من اختاروا تعلّمها. فأن يرى شخصٌ في الموسيقى ما يخالف قناعته الدينية أمرٌ يخص اعتقاده. أما أن تُكتب هذه العبارة على جدار معهد موسيقي، فإنها تغادر حدود صاحبها وتدخل إلى فضاء الآخرين.

عندها يتغير السؤال. لا يعود متعلقاً بما يحق للمرء أن يؤمن به أو بما يختاره لنفسه أن يسمع، وإنما بما يحدث حين تتحول قناعة فردية إلى رسالة موجّهة إلى آخرين لا يتشاركون بالضرورة القناعة نفسها. فالمسألة لا تتوقف عند تحريم الموسيقى أو قبولها، وإنما عند اللحظة التي يصبح فيها الاختلاف حولها محاولةً لتحديد ما ينبغي أن يُسمع وما ينبغي ألا يُسمع.

ليس كل اعتراض على صوتٍ ما محاولةً لإسكاته. للناس أن يختلفوا فيما يسمعون، وأن يرفضوا فناً أو موسيقى أو خطاباً لا ينسجم مع قناعاتهم. لكن الأمر يتغير حين ينتقل من مساحة الاختيار الشخصي إلى الرغبة في ضبط المجال المشترك: ماذا يُسمح له أن يصل إلى آذان الآخرين، وما الذي ينبغي أن يختفي منه؟ عند هذه النقطة لا تعود المسألة متعلقة بالصوت وحده، وإنما بالحق في وجود أصوات متعددة داخل المكان نفسه.

ولعل السينما السورية التقطت هذا السؤال قبل أن يظهر بهذه الصيغة على جدار معهد موسيقي. في فيلم "حلب: مقامات المسرّة" (1998)، يقترب محمد ملص من مدينة كان الغناء فيها جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية. يبدأ الفيلم بحديث تمهيدي للممثل الراحل عمر حجو عن علاقة أهل حلب بالغناء، قبل أن ينتقل ملص إلى صبري مدلل، أحد أبرز أصوات الطرب الحلبي، ويتتبع معه عالم الغناء والإنشاد والموشح. هكذا لا يظهر الصوت في فيلم ملص بوصفه مادة موسيقية فحسب، وإنما بوصفه جزءاً من ذاكرة جماعية وتراث حي.

بعد سنوات، يعود ملص إلى الصوت الحلبي من الجهة الأخرى في فيلم "باب المقام" (2005). يستند الفيلم إلى واقعة حقيقية عن امرأة قُتلت على يد أفراد من عائلتها، بعدما أصبح شغفها بأغاني أم كلثوم جزءاً من الشبهة التي أحاطت بها. ينقل ملص الحكاية إلى حلب، ويضع الغناء في قلبها: ما كان في "مقامات المسرّة" علامة على حياة المدينة وذاكرتها، يصبح هنا شيئاً يمكن أن يُساء الظن به.

بين الفيلمين مسافة واسعة في الزمن والسياق، لكن السؤال نفسه لا يختفي: ماذا يحدث حين يتجاوز الغناء حدود الذوق أو الاعتقاد، ليصبح موضع شبهة؟ ... المقلق هنا ليس فقط أن تعود الفكرة، وإنما أن يُعاد إنتاجها؛ أن تظهر اللغة القديمة نفسها في فضاء جديد، رغم ما طرأ على المجتمع من تحولات. لا يعني هذا أن المجتمع لم يتغير، ولا أن الحالات متطابقة، لكن بعض التصورات يمكن أن تعود بأشكال جديدة، وتبحث عن مكان لها في الحياة العامة.

ولكن الصوت لا يحتاج دائماً إلى منعه كي يتراجع. يكفي أن يعرف الإنسان أن لصوته كلفة محتملة، حتى يبدأ بمراقبته قبل أن يتدخل أحد في مراقبته. ربما لهذا لا يكون الدفاع عن الصوت دفاعاً عن الموسيقى وحدها. إنه دفاع عن حق الإنسان في أن يختلف، وأن يسمع، وأن يعبّر، من دون أن يتحول اختلافه إلى تهمة. فالسينما تعرف أن للصمت معنى، لكن الحياة تذكّرنا بأن الصمت نفسه قد يكون علامة على شيء آخر: صوتٌ كان موجوداً، ثم تعلّم أن يصمت.

النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.

المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗

أخبار ذات صلة

أبرز الأخبار في بريدك

اشترك لتصلك أهم الأخبار والتقارير.