29 تشرين الأول 2026 من نحناتصل بناالسياق مرئيأخبار قصيرةخاص بالسياقمصادرناالنشرة البريديةRSS
الخبر في سياقه
طقس بغداد: جارٍ التحديثأسعار الصرف المرجعية: جارٍ التحديث
🔗 /si/37064

حصان حجّي سعيد

قبل أن يظهر حجّي سعيد في أزقة القامشلي، كان صوت حوافر حصانه يسبقه إلى البيوت. سنوات طويلة، صار وقع الحوافر علامة مألوفة في يومياتهم، وصار صاحبه جزءاً من ذاكرة المكان.

بدأ سعيد، المعروف بين زبائنه باسم "حجّي سعيد"، العمل في بيع المازوت حين كان في الرابعة عشرة عاماً. يبلغ اليوم الخامسة والسبعين، تغيّرت الطرق التي يمارس عمله بها، وتبدّلت أحوال الوقود والناس الذين اعتادوا انتظاره.

أمضى أكثر من ستة عقود متنقلاً بين أحياء القامشلي وريفها، ينقل المازوت إلى المنازل بعربةٍ يجرّها حصان. ومع مرور السنوات، لم تعد علاقته بزبائنه محصورة في شراء الوقود وبيعه؛ فقد صار جزءاً من تفاصيل يومية ألفها الناس، يعرفونه ويثقون به، كما يعرفون صوت العربة التي اعتادوا سماعها في الأزقة.

لم يعمل سعيد طوال حياته في مهنة أخرى. ظل يبيع المازوت ويوصله إلى المنازل، حتى أصبحت العربة والحصان جزءاً من يومه، ومن حياة ألفها منذ طفولته.

في مرةٍ، باع العربة والحصان، لكنه أعادهما في اليوم نفسه، رغم الخسارة التي تكبدها. لم يستطع الابتعاد عنهما بعدما اعتاد العمل بهما منذ كان فتى. لم تكن العربة بالنسبة إليه مجرّد وسيلة لنقل الوقود، بل رفيقة مهنة رافقته معظم سنوات عمره، وصارت جزءاً من حياته التي لم يعرف طريقاً آخر لها.

يقول سعيد إنه كان سيغادر هذه المهنة لو وجد عملاً يخفّف عنه مشقتها، لكنه لم يجد سبيلاً آخر. فظلّ يعود كل يوم إلى العمل الذي يعرفه منذ صباه، لا لأنه اختاره من بين مهن كثيرة، بل لأنه لم يجد ما يتيح له أن يتركه.

لم تبقَ الطرق التي كان يبيع بها المازوت كما عرفها عقوداً. يقول سعيد إن البيع المباشر إلى المنازل أصبح ممنوعاً، وإن آليات التوزيع تغيّرت، ما اضطرّه إلى الانتقال إلى العمل مع الأفران، بعدما كان يصل إلى أبواب البيوت بعربته.

يرى حجّي سعيد كيف تبدّلت أحوال الناس والبلاد، وكيف بات الحصول على الوقود نفسه مشكلة تتجاوز عمله الشخصي

يبدأ حجّي سعيد يومه في الثامنة صباحاً، وينهيه قرابة الرابعة عصراً. يحمل الأوراق اللازمة لمتابعة مخصّصات المازوت من محطات الوقود، ويتولى نقلها إلى الأفران التي تطلب خدماته. وما زال أصحاب أفران يتصلون به وينادونه "يا حجّي سعيد"، اعتماداً على معرفة وثقة امتدتا سنوات طويلة. لكن العمل الذي بقي له لا يشبه ما اعتاده في سنواته الأولى. يقول سعيد إن فرص العمل أصبحت أقل، وإن أسعار المازوت تتغيّر بين فترة وأخرى، بينما توقفت بعض الأفران عن العمل، وركنت سيارات، وتعطلت أعمال كان أصحابها يعتمدون عليها في معيشتهم.

ومن موقعه اليومي، يرى سعيد كيف تبدّلت أحوال الناس والبلاد، وكيف بات الحصول على الوقود نفسه مشكلة تتجاوز عمله الشخصي. ويختصر التناقض بين وفرة الخيرات في المنطقة وصعوبة تأمين المازوت بقوله: "نحن على أرض البركة والخيرات، لكننا ليس لدينا مازوت".

لم تعد سنوات الخبرة وحدها كافية لضمان استمرار العمل. فالرجل الذي اعتاد أن يحمل الوقود إلى المنازل بات مرتبطاً بما يتوافر من مخصّصات، وبقدرة أصحاب الأفران على مواصلة أعمالهم، في وقتٍ تتقلص فيه الخيارات أمام من يعتمدون على المازوت في معيشتهم اليومية.

في القامشلي، لا تقف صعوبة تأمين المازوت عند حدود المهنة التي يحاول سعيد الحفاظ عليها، بل تصل إلى المنازل التي تستعد لاستقبال الشتاء، وسط ارتفاع الأسعار وصعوبة شراء الوقود بالكميات اللازمة للتدفئة.

يقول ديار عثمان، وهو أب لخمسة أفراد ويسكن في حي الكورنيش، إن المازوت المخصص للتدفئة غير متوافر لدى كثيرين من الأهالي هذا العام، في ظل ارتفاع الأسعار، إذ وصل سعر البرميل إلى نحو 2.3 مليون ليرة سورية. ويوضح أن ارتفاع الكلفة قد يدفع السكان إلى استخدام وسائل بدائية للتدفئة، في محاولة لمواجهة البرد بما تسمح به إمكاناتهم. بالنسبة إلى الأسر، لا ينتهي التحدّي عند شراء الوقود للمرّة الأولى؛ في وقت تتزاحم فيه نفقات المعيشة ويصعب تأجيل التدفئة.

هكذا يصبح تأمين المازوت عبئاً يتجاوز ثمنه، إذ يرتبط بقدرة الأسر على توفير الدفء لأفرادها طوال أشهر الشتاء. وبين الحاجة إلى التدفئة ومتطلبات الحياة الأخرى، تجد عائلات نفسها مضطرّة إلى تدبير شؤونها وفق ما تسمح به إمكاناتها.

تلتقي حكاية حجّي سعيد مع حكاية ديار وأبي جورج عند الحاجة اليومية إلى المازوت، لكنها تكشف وجوهاً مختلفة للأزمة.

لا يقتصر الاعتماد على المازوت على تدفئة المنازل، إذ تحتاج إليه المخابز لمواصلة إنتاج الخبز الذي يعتمد عليه السكان يومياً.

أبو جورج، صاحب مخبز خاص في القامشلي، يتعامل مع حجّي سعيد الذي يتولى نقل مخصّصات المازوت من محطات الوقود إلى المخبز، بدلاً من وصولها بالصهريج. ويعتمد أبو جورج عليه بسبب المعرفة السابقة والثقة التي تجمعهما.

بالنسبة إلى سعيد، يمثّل هذا العمل امتداداً لمهنته، وإن اختلفت طريقة أدائها عما كانت عليه في السابق. فبعدما كان يوصل الوقود إلى أبواب المنازل، بات ينقله إلى الأفران، مستنداً إلى علاقات بناها سنوات طويلة.

وبالنسبة إلى أصحاب المخابز، يرتبط تأمين المازوت باستمرار الإنتاج وتوفير الخبز للناس. وهكذا، تتقاطع مصلحة سعيد

في مواصلة العمل مع حاجة أصحاب الأفران إلى الوقود، في وقت تتأثر فيه أعمالهم بالتغيرات التي يشهدها توفر المازوت وأسعاره.

حكاية مهنة تتغيّر

تلتقي حكاية حجّي سعيد مع حكاية ديار وأبي جورج عند الحاجة اليومية إلى المازوت، لكنها تكشف وجوهاً مختلفة للأزمة. فديار يحاول تأمين الوقود لتدفئة أسرته، وأبو جورج يعتمد على سعيد لنقل مخصصات المازوت إلى مخبزه، بينما يسعى الرجل السبعيني إلى مواصلة العمل في مهنة لازمته منذ طفولته.

بالنسبة إليه، لا يعني تراجع العمل خسارة دخل فحسب، بل تغيّراً في مهنة ارتبطت بتفاصيل الحياة اليومية في القامشلي وريفها، وبعلاقات بناها مع زبائنه عقوداً. ومع أنه لم يعد يعمل بالطريقة التي اعتادها، لا يزال يحاول الاستمرار كلما استطاع تأمين المازوت.

لم يعد حجّي سعيد يجوب أحياء القامشلي وريفها كما فعل طوال عقود، ولم تعد عربته تحمل المازوت إلى أبواب المنازل التي اعتادت وصوله. تغيّرت المهنة، وضاقت سبل العمل، لكن الرجل الذي باع حصانه وعربته، ثم أعادهما في اليوم نفسه، لم يستطع أن يتخلى بسهولة عن حياة لم يعرف سواها.

في الحارات الشعبية، كان صوت الحوافر يصل إلى الناس من خلف الشبابيك المطلة على الأزقّة، فيعرفون أن سعيداً يقترب. أما اليوم، فيواصل عمله بين محطات الوقود والأفران، محاولاً الحفاظ على ما بقي من مهنته، في منطقة تتوافر فيها الخيرات ويصعب على أهلها تأمين المازوت.

النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.

المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗

أخبار ذات صلة

أبرز الأخبار في بريدك

اشترك لتصلك أهم الأخبار والتقارير.