الملف السوري في الانتخابات الإسرائيلية
كثّفت قوات الاحتلال الإسرائيلي في الأيام الأخيرة من وتيرة توغلاتها واعتداءاتها داخل الأراضي السورية، قبل أيام من الانتخابات الإسرائيلية المقررة اليوم الثلاثاء. ورغم التوظيف الانتخابي المباشر الذي تمارسه حكومة بنيامين نتنياهو لتعزيز رصيدها في أوساط اليمين، فإن العقيدة الأمنية الإسرائيلية تجاه سورية تحظى بإجماع مؤسساتي يتجاوز هوية الحزب الحاكم. ويرى مراقبون أن حكومة نتنياهو توظف هذه العمليات عشية الانتخابات الإسرائيلية لتحقيق عدة مآرب سياسية، مثل إظهار الحزم الأمني، إذ يسعى معسكر اليمين إلى تقديم نفسه بوصفه الأقدر على حماية أمن إسرائيل وعلى فرض واقع ميداني جديد على الجبهة الشمالية. كذلك يسعى نتنياهو إلى سحب البساط من تحت أقدام المعارضة، بفعل مواجهته منافسة شديدة من شخصيات ذات خلفيات عسكرية مثل غادي أيزنكوت وحزبه "يشار" في الانتخابات الإسرائيلية المقبلة، وبالتالي فإن إبقاء الخيار الميداني نشطاً يقلل من قدرة المعارضة على التشكيك في كفاءة الحكومة الأمنية، خصوصاً على خلفية الاتهامات بالتقصير والفشل الموجهة لها بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.
الأهداف الأمنية الإسرائيلية في سورية
حول هذه التطورات، يقول المحلل العسكري نبيل الرفاعي، وهو ضابط منشق عن جيش النظام السوري السابق، لـ"العربي الجديد"، إن الأهداف الأمنية الاستراتيجية لإسرائيل في سورية، تتمثل في إنشاء منطقة عازلة وتثبيت واقع جغرافي جديد، حيث يسعى الاحتلال إلى فرض منطقة أمنية عازلة بعمق معين داخل الجنوب السوري بما يشمل محافظات القنيطرة ودرعا وريف دمشق. كذلك، يعمل على إجراء ترتيبات خاصة في السويداء، وذلك بعد إعلان الاحتلال إبطال العمل باتفاقية فض الاشتباك بين سورية وإسرائيل لعام 1974، إثر سقوط نظام الأسد في الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024.
نبيل الرفاعي: الاحتلال يستهدف قطع خطوط الإمداد العسكري بشكل نهائي ومنع أي عمليات نقل أسلحة أو تقنيات متطورة إلى حزب الله في لبنان
ويضيق الرفاعي، أن الاحتلال يستهدف قطع خطوط الإمداد العسكري بشكل نهائي ومنع أي عمليات نقل أسلحة أو تقنيات متطورة إلى حزب الله في لبنان، وذلك من خلال التوغلات المستمرة والعمليات الهندسية مثل حفر الخنادق والسواتر الترابية ضمن مشروع سوفا 53 (داخل الأراضي السورية)، إضافة إلى استغلال حالة عدم الاستقرار السياسي والأمني في سورية، بعد سقوط نظام الأسد، لتفكيك أي بنية عسكرية أو بنية تحتية قد تُوظف عسكرياً ضد إسرائيل في المستقبل، بغض النظر عن طبيعة السلطة الحاكمة في دمشق. ويعزو الرفاعي ذلك إلى رغبة إسرائيل في السيطرة على نقاط استراتيجية واستكشافية، مثل مراصد جبل الشيخ والتلال الحاكمة، إضافة إلى التحكم ببعض مصادر المياه والآبار في الجنوب، لفرض شروطها في أي ترتيبات إقليمية مستقبلية. ويرى الرفاعي أن التوقيت والأسلوب الاستعراضي للتوغلات، قد يشير إلى أهداف سياسية قبل الانتخابات الإسرائيلية، لكن الاستراتيجية الكلية المتمثلة في إبقاء الجبهة السورية تحت السيطرة الأمنية المباشرة، ومنع نشوء أي تهديد استراتيجي هي سياسة ثابتة تتبناها المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بمختلف أطيافها الحزبية، وفقاً له.
في السياق، فإنه من خلال مراجعة تصريحات المنافس الرئيسي لنتنياهو في الانتخابات الإسرائيلية غادي أيزنكوت ومواقفه، وهو رئيس أركان الجيش الإسرائيلي الأسبق وزعيم حزب "يشار"، من الملاحظ أنه يتبنى رؤية أمنية ودبلوماسية واضحة حيال سورية والتعامل مع المشهد الجديد بعد سقوط نظام الأسد. وترتكز مواقفه وتصريحاته الأخيرة على الاستفادة من التحولات الميدانية لفرض واقع أمني مستدام، مع انتقاده لسياسة التوسع الميداني التي ينتهجها نتنياهو.
زوايا
الحريديم ونتنياهو: هل يتفكّك معسكر اليمين التقليدي
وتركز تصريحات أيزنكوت ومواقفه حيال العلاقة مع سورية على عدد من النقاط، مثل ضرورة إبرام اتفاقية أمنية "مطوّرة" وتعديل اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974. ويدعو إلى استغلال غير المستقر في سورية لتحديث اتفاقية فض الاشتباك الموقعة عام 1974، وتضمينها ترتيبات أمنية صارمة، تشمل تحديد وضع جبل الشيخ والمناطق الحاكمة. كما يشترط أيزنكوت الانسحاب الكامل للقوات الروسية والتركية من الأراضي السورية ضمن أي اتفاقيات جديدة، إذ ربط نجاح أي تسوية أو انسحاب إسرائيلي تدريجي من المناطق السورية التي جرى احتلالها بعد عام 2024 بالخروج الكامل لجميع القوات الأجنبية، وحدد بالاسم ضرورة انسحاب القوات التركية والروسية من كامل الأراضي السورية "شرطاً أساسياً لضمان الاستقرار".
وهاجم أيزنكوت الرئيس السوري أحمد الشرع، ووصفه أنه "رجل شديد التطرف ومن خلفية تنظيم داعش". وقال لصحيفة تايمز أوف إسرائيل، إنه "ليست لديه أوهام بشأن الشرع"، مضيفاً أنه خلال عمله العسكري السابق وبالتعاون مع الأميركيين، ساهم في قتل العديد من أفراد التنظيم الذي كان ينتمي إليه الشرع. ورغم ذلك، فهو لا يمانع في التفاوض للوصول إلى ترتيب أمني ملزم مع دمشق. وخلافاً لنتنياهو، يعارض آيزنكوت فكرة الانتشار العسكري المطول والواسع في العمق السوري، ويعتبر أن توسيع رقعة التوغل يمثل "استنزافاً استراتيجياً" لجيش الاحتلال، ويفضل بدلاً من ذلك انتهاج مسار التسوية الإقليمية الشاملة التي تجري هندستها بالتنسيق الكامل مع الولايات المتحدة، بغية دمج الاتفاقية الأمنية مع سورية ضمن مظلة إقليمية أوسع تخدم المصالح الإسرائيلية، من دون الحاجة لاحتلال دائم للأرض.
غازي دحمان: تبدل القيادة السياسية في إسرائيل لن يُحدث تغييراً جذرياً في العقيدة الأمنية الإسرائيلية تجاه سورية
ويقول المحلل السياسي غازي دحمان، إن تبدل القيادة السياسية في إسرائيل لن يُحدث تغييراً جذرياً في العقيدة الأمنية الإسرائيلية تجاه سورية، لكنه قد يُغير شكل التفاوض وطبيعته والآليات المتبعة. ويرى دحمان في حديث مع "العربي الجديد" أنه من الناحية السياسية والدبلوماسية، فان أيزنكوت قد يمثل فرصة "أكثر عقلانية" لدمشق في حال فاز في الانتخابات الإسرائيلية غداً الثلاثاء، لأنه يحبذ الاعتماد على المظلة الدولية والإقليمية والتوصل إلى اتفاقيات أمنية مع سورية من خلال تنسيق وثيق مع الولايات المتحدة والقوى الإقليمية، مما يمنح أي تفاهمات صبغة شرعية وضمانات دولية، على عكس نتنياهو الذي يفضل فرض أمر واقع ميداني من جانب واحد. وبهذا المعنى، يضيف دحمان أن أيزنكوت يفضيل الاتفاقيات الأمنية على الاحتلال الدائم، كونه أعلن بوضوح أنه لا يؤيد البقاء العسكري طويل الأمد أو التوغل غير المحدود داخل الأراضي السورية لحسابات انتخابية، بل يفضل تحديث اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974
اتفاقية فض الاشتباك بين سورية وإسرائيل 1974
وُقعت اتفاقية فض الاشتباك بين سورية وإسرائيل في 31 مايو/ أيار 1974، بهدف إنهاء حالة الاقتتال بين الطرفين بعد حرب أكتوبر 1973، وشملت الاتفاقية إنشاء منطقة عازلة تمتد على طول الحدود بين سورية وهضبة الجولان المحتلة، وتخضع لمراقبة دائمة من قبل قوة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، كما تضمنت الاتفاقية ترتيبات تفصل بين المواقع العسكرية السورية. للوصول إلى ترتيبات مستدامة، تضمن انسحاباً تدريجياً لجيش الاحتلال مقابل شروط صارمة.
الانتخابات الإسرائيلية وسورية
ووفق دحمان، فان أيزنكوت ينظر نظرة قائد أركان أسبق، إلى الملف السوري من زاوية إدارة المخاطر والكلفة البشرية والاقتصادية، وبالتالي قد يكون أكثر مرونة في إبرام صفقة أمنية مؤقتة ترتب على دمشق ضبط الحدود ومنع التهديدات. ويستدرك بالقول: "رغم المرونة السياسية المفترضة لأيزنكوت، فإن أي حكومة إسرائيلية سواء كانت بقيادة اليمين أم الوسط، لن تفوت فرصة المرحلة الانتقالية في سورية، في ظل بحث الإدارة الجديدة في دمشق عن الاستقرار وإعادة الإعمار من أجل محاولة تفكيك الوجود الأجنبي في سورية". ويضيف دحمان، أن إسرائيل "تبحث قطع الطريق على أي نفوذ إيراني مستقبلي أو خطوط إمداد لحزب الله، مع طلب ضمانات ميدانية قوية قبل الانسحاب إلى خطوط ما قبل سقوط النظام المخلوع، تشمل مناطق عازلة منزوعة السلاح، والسيطرة الاستخباراتية على النقاط الحاكمة خصوصاً جبل الشيخ، مع مواصلة التشكيك بنيات قيادة الرئيس الشرع وأهدافه بسبب خلفيته الأيديولوجية السابقة، وذلك بغية إبقائه تحت الضغط". ويخلص دحمان إلى القول إن سقوط نتنياهو وفوز أيزنكوت في الانتخابات الإسرائيلية المقبلة لن يعني انفراجة سياسية سهلة لسورية، ولن يعني استعادة الأرض من دون أثمان باهظة، لكنه قد ينقل الملف من خانة الابتزاز العسكري المفتوح والتوغلات العشوائية إلى خانة "التفاوض الأمني البارد والمشروط" تحت رعاية دولية.
رصد التحديثات الحية
تشكيل الحكومة الإسرائيلية.. سيناريوهات معقدة قد تفرض انتخابات مبكرة
النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.
المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗