فاتورة الواردات الخليجية تقفز بفعل الحرب
تواجه أسواق دول مجلس التعاون الخليجي الست قفزة في فاتورة وارداتها الغذائية البالغة نحو 50 مليار دولار سنوياً، إذ زادت قيمتها المالية بعد حرب إيران بفعل غلاء السلع والشحن، ما سلط الضوء على انعكاس ذلك على خريطة أسواق التوريد وأسعار الغذاء في بلدان المنطقة.
وتتصدر السعودية فاتورة الواردات الغذائية الخليجية بـ33 مليار دولار سنوياً، تليها الإمارات بـ27.6 ملياراً، والكويت بـ5.5 مليارات، وقطر بـ5 مليارات، وعمان بـ4.8 مليارات، وأخيراً البحرين بـ1.6 مليار دولار، وفق ما وثقته دائرة الخدمة الزراعية الخارجية بوزارة الزراعة الأميركية في تقرير نشرته في 19 أكتوبر/تشرين الأول الجاري.
والاعتماد الهيكلي على الأسواق الخارجية يجعل دول الخليج تستورد ما بين 85% و90% من غذائها (بتفاوت بين 72% بسلطنة عمان و74% بالسعودية و81% بقطر و82% بالكويت و87% بالبحرين و89% بالإمارات)، ليهبط رصيدها إلى 36.5 نقطة بمؤشر سيادة البروتين وفقاً لما أوردته منصة غرين سنترال (Grain Central) المتخصصة في تجارة الحبوب في تقرير نشرته في 19 أكتوبر الجاري.
ويَعبر 70% من غذاء الخليج عبر مضيق هرمز، إضافة إلى 81% من الأرز، إذ تورد الهند 76.1% منه وباكستان 13.7% بحسب التقرير ذاته، ومع هبوط حركة الناقلات بالمضيق بنسبة 90% حوّلت السعودية مشترياتها لميناءي جدة والملك عبدالله، واعتمدت عمان على صلالة والدقم، ووجهت الإمارات السفن للفجيرة وخورفكان الذي قفزت مناولته من 8 آلاف إلى 65 ألف حاوية أسبوعياً، بينما تفتقر قطر والكويت والبحرين لسواحل خارج الخليج.
وفرض الاضطراب الملاحي واقعاً تجارياً جديداً أعاد رسم خريطة الأسواق المصدرة للغذاء والحبوب إلى الخليج، الذي يستوعب 6% من شحنات الحبوب البحرية العالمية، بعد انكماش تجارة الحبوب البحرية عالميا 8% وهبوط صادرات حبوب البحر الأسود (روسيا وأوكرانيا) بنسبة 26%، حسب ما أوردته منصة أغرولاتام (AgroLatam) المتخصصة في التجارة الزراعية في تقرير نشرته في 15 أكتوبر الجاري. وأدى صعود مؤشر شحن الحبوب والبذور الزيتية بنسبة 35.5% إلى تحوّل المستوردين الخليجيين عن إمدادات البحر الأسود المتعثرة نحو أسواق الأميركيتين، مع تفريغ الشحنات بموانئ البحر الأحمر السعودية والفجيرة الإماراتي، حسب التقرير ذاته.
تضخم الصدمة
تختلف أسباب التضخم الحالية الناتجة عن هذه التحولات عن الحالات التقليدية المرتبطة بارتفاع السيولة أو زيادة الطلب على المنتجات، إذ تعود جذوره إلى تعطل سلاسل التوريد وإغلاق مضيق هرمز بسبب المواجهات الجيوسياسية، وهو ما يجعل الأدوات النقدية المعتادة مثل رفع أسعار الفائدة غير مجدية بل وقد تكون ضارة في هذا السياق الاستثنائي، وفق تحليل الخبير الاقتصادي عبدالله الخاطر، في حديث لـ "العربي الجديد".
وتعكس مؤشرات الأسعار العالمية طبيعة هذا التضخم الناتج عن اختناقات العرض والشحن، إذ قفزت أسعار القمح العالمية بأكثر من 30% منذ مطلع 2026 وارتفعت أسعار الأرز الآسيوي بين 10% و13% ليبلغ مؤشر الفاو لأسعار الغذاء 136 نقطة في سبتمبر/أيلول الماضي كأعلى مستوى منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2022، وفقا لما أوردته منصة أوكر أغرو كونسلت (UkrAgroConsult) المتخصصة في أسواق الحبوب في تقرير نشرته في 19 أكتوبر.
وتجاوز تضخم الغذاء التضخم العام في 22% من أصل 150 دولة رصدها البنك الدولي بالربع الثالث من 2026 ولا سيما بالشرق الأوسط، وسط قفزة الشحن البحري 50% وارتفاع الوقود والتأمين والأسمدة جراء العمليات العسكرية بمضيق هرمز.
وتحول هذه الضغوط الخارجية المركبة دون إمكانية الاعتماد على السياسات المالية والنقدية التقليدية لضبط الموازنات وكبح الطلب الزائد في ظل هذه الأزمة، كما يوضح الخاطر، لأن تطبيقها قد يدفع الاقتصاد نحو ركود أعمق، خاصة مع التراجع العام في دخل الدولة وتأثر النمو الاقتصادي سلبا بالاضطرابات الإقليمية، حسب تقديره.
ويتجلى هذا التلازم بين الضغوط التضخمية وتباطؤ النمو في التقديرات الكلية للعام الجاري، إذ يتجه التضخم العالمي للارتفاع إلى 4.7% في 2026 بضغط من أسعار الطاقة والغذاء، بينما ينكمش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي لدول الخليج بنسبة 4.8% نتيجة تعطل إنتاج وتصدير الهيدروكربونات، حسب ما أورده تقرير نشره بنك بي إن بي باريبا (BNP Paribas) في أكتوبر الجاري.
ويتطلب التعامل مع هذا الانكماش الاقتصادي اتخاذ خطوات مناقضة للسياسات النقدية الاعتيادية مثل خفض أسعار الفائدة بشكل مدروس لدعم التدفقات النقدية ومعالجة التراجع الكبير في النمو الاقتصادي بدلا من التشديد الذي يزيد من معاناة الاقتصاد، وبالتالي تجب إدارة هذه المرحلة بمنظور خاص يتناسب مع طبيعة الصدمة العرضية الطارئة، وفق تقدير الخاطر.
وتمتد جذور هذه الصدمة العرضية من تعطل الملاحة إلى مدخلات الإنتاج الزراعي نفسها، إذ تؤثر الاضطرابات في مضيق هرمز والتوترات الجيوسياسية بشكل مباشر على سلاسل الإمداد العالمية، الأمر الذي يؤدي إلى ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة وتكاليف الشحن والتأمين نتيجة مرور حوالي 30% من تجارة الأسمدة العالمية عبر المضيق، وهو ما يرفع كلفة الإنتاج الزراعي عالمياً وينعكس سلباً على الأمن الغذائي، وفق تقدير الخبير الاقتصادي حسام عايش، في حديث لـ "العربي الجديد".
معالجات الأمن الغذائي
انعكس ارتفاع تكاليف مدخلات الإنتاج والشحن فوراً على أسواق الحبوب الخشنة والأعلاف عالمياً في أكتوبر الجاري، إذ صعدت أسعار الذرة 5.6% شهرياً لأعلى مستوى في ثلاث سنوات (229 دولاراً للطن بالموانئ الأميركية و225 دولاراً بالبرازيل و213 دولاراً بالأرجنتين) وقفزت الذرة الرفيعة 13.7% والشعير 3.9%، وفقاً لما أوردته منصة وورلد غرين (World Grain) المتخصصة في أسواق الحبوب العالمية بتقرير نشرته في 21 أكتوبر الجاري.
ويضاعف صعود أسعار الحبوب والأعلاف عالمياً حساسية الأسواق الخليجية التي تعتمد بنسبة تتراوح بين 70% و90% على استيراد احتياجاتها الغذائية، بما في ذلك الاعتماد الكلي تقريبا على الأرز واستيراد نسبة كبيرة من الحبوب والزيوت والأعلاف، كما يوضح عايش، الأمر الذي يجعل أمنها الغذائي مرتبطا بشكل وثيق بأمن الممرات البحرية واستقرار التجارة الدولية، ويحوّل أي اضطراب طويل الأمد في الملاحة إلى تحدٍ جوهري يتعلق بتوفير الغذاء واستقرار الأسواق المحلية.
وتنتقل ضغوط الملاحة والأسعار العالمية تدريجياً إلى أسواق التجزئة بعد وصول مؤشر منظمة الأغذية والزراعة للأسعار الغذائية إلى مستواه البالغ 136 نقطة في شهر سبتمبر/أيلول الماضي مسجلاً زيادة نسبتها 1.5% عن الشهر السابق و8.5% على أساس سنوي، بالتزامن مع قفزة أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب للسفن العابرة للمنطقة من نطاق 1% إلى 3% لتصل إلى 10% من قيمة السفينة، وهو ما يزيد من زمن الرحلات واستهلاك الوقود والتكاليف اللوجستية، بحسب عايش.
ويظهر أثر انتقال هذه التكاليف اللوجستية والغذائية جلياً في مؤشرات الأسعار الخليجية، إذ سجل التضخم في سلطنة عمان 3.2% سنوياً في سبتمبر الماضي (وبمتوسط 3.0% في الأشهر التسعة الأولى من 2026) بضغط من تضخم الغذاء وقفزة النقل 4.8% مع غرق سفينتين بمضيق هرمز، وفق ما أورده تقرير نشرته مؤسسة إم يو إف جي (MUFG Research) المتخصصة في الأبحاث الاقتصادية والأسواق في 15 أكتوبر الجاري. ولتحجيم هذه الضغوط، استقطبت السعودية استثمارات بـ4.3 مليارات دولار، خصص منها 2.1 مليار دولار لتوطين سلاسل الإمداد وتقليص الاستيراد، وفق التقرير ذاته.
ورغم تلك الضغوط السعرية واللوجستية، تتراوح معدلات التضخم العام في دول الخليج بين 2% و3.5%، وهي مستويات تُعتبر معقولة نسبياً مقارنة بالضغوط الهائلة على التكاليف والشحن، بحسب رؤية عايش، وذلك بفضل القدرة المالية الكبيرة للحكومات الخليجية التي تسمح لها بدعم السلع الأساسية والحفاظ على توفرها في الأسواق رغم التكاليف المرتفعة، الأمر الذي يساهم في كبح جماح التضخم وحماية القوة الشرائية للمستهلكين، وفق تأكيده.
غير أن الملاءة المالية وحدها لا تلغي الخطر الأكبر الكامن في استمرار الاضطرابات لأشهر مقبلة، حسب تحليل عايش، إذ قد يدفع ذلك بعض الدول المصدرة لفرض قيود على الصادرات أو سحب مخزونها المحلي لتغطية احتياجاتها الداخلية، وهو ما يفاقم الأزمة العالمية ويتطلب من دول الخليج تبني استراتيجية شاملة لا تعتمد فقط على الدعم المالي بل على بناء منظومة متكاملة للأمن الغذائي تشمل تنويع الموردين والمسارات البحرية وإنشاء مخزونات استراتيجية مرنة.
وترجمت المؤسسات الخليجية هذا التوجه نحو بناء المخزونات المرنة وتنويع المسارات البحرية عبر عقود توريد وتخزين استراتيجية، إذ وقعت الشركة الوطنية لإمدادات الحبوب (سبيل) والشركة الوطنية للحبوب التابعتان لشركة (سالك) المملوكة لصندوق الاستثمارات العامة السعودي اتفاقيتين بالرياض مع شركة تنمية للأغذية لتأمين الاستيراد البحري السائب لحبوب الأعلاف وتخصيص صوامع تخزين بميناء ينبع على البحر الأحمر، بحسب ما أوردته منصة إندكس بوكس (IndexBox) المتخصصة في أبحاث الأسواق وسلاسل الإمداد في تقرير نشرته في 21 أكتوبر الجاري.
ويؤيد عايش التوقعات الاقتصادية التي تشير إلى ضرورة تعزيز التنسيق الخليجي لشراء السلع الاستراتيجية وتبادل المخزونات في حالات الطوارئ ومراقبة الأسعار ومنع الاستغلال التجاري غير المبرر، بالإضافة إلى توجيه الدعم بشكل دقيق للفئات الأقل دخلا بدلا من الدعم الشامل المكلف.
النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.
المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗