29 تشرين الأول 2026 من نحناتصل بناالسياق مرئيأخبار قصيرةخاص بالسياقمصادرناالنشرة البريديةRSS
الخبر في سياقه
طقس بغداد: جارٍ التحديثأسعار الصرف المرجعية: جارٍ التحديث
🔗 /si/36513

ما بعد الحقيقة

خلال مظاهرات الأسبوع الماضي في فرنسا، انتشرت على مواقع التواصل صورة لرجل وامرأة مسنّين بملابسهما الداخلية في الشارع، يحيط بهما أشخاص يرتدون السواد. وتحت الصورة تعليق أنّ المتظاهرين في باريس سلبوا هذين الزوجين المسنين أموالهما وجوالاتهما وتركوهما شبه عاريين في البرد. لا تفسّر الصورة ما يجري، لكن التعليق يستغل التعاطف مع المسنّين في الصورة ليوجه الاتهام إلى المتظاهرين في إيحاء ضمني من اللون الأسود أنهم من المهاجرين. من لا يؤيد الاحتجاجات، وهو غالباً من مؤيدي الحكومة الفرنسية واليمين الفرنسي، سيجد في الصورة تأكيداً لوجهة نظره، لذلك لن يتوقف طويلاً عند التفاصيل مهما كانت غريبة، حتى وإن وصل الأمر لأن يظهر أحد من يُفترض أنهم يسلبون الزوجين برأسين، وأن كفّ المرأة تشبه كفّ ضفدع. الصورة المعنية مولّدة بالذكاء الاصطناعي، وهي مقتطعة من مونتاج نشره موقع "إنفو إسرائيل نيوز" ثم تشاركها ملايين الحسابات ومنها حسابات لشخصيات سياسية فرنسية وأوروبية يمينية، ثم جاءت المفاجأة حين أعادت نقابة ضباط ومفوّضي الشرطة الفرنسية نشر الصورة قبل أن تحذفها لاحقاً.

ومع ذلك، ينبغي التمهّل في اتهام كل من شاركها بأنه ميّز الرجل ذا الرأسين ثم نشرها. قد يكون بعضهم قرأ التعليق واكتفى بلمحة. وربما وثق آخرون بالصورة اعتماداً على اسم الحساب الذي نشرها. حتى رداءة الصورة قد تؤكّد صحتها في نظر بعضهم، فهي تشبه صور الجرائم التي تُلتقط بالهواتف في العتمة وعلى عجل. ويعرف مدمنو "السوشيال ميديا" أن صور الجرائم والوقائع المفاجئة والفضائح تخرج مهزوزة أحياناً. ويحتاج فهم نجاح هذا التلفيق إلى تأمّل عادات تصديقنا التي صنعتها وسائل التواصل أكثر مما يحتاج إلى التأمل والتفكير، وتزداد الحكاية تعقيداً حين نعرف أن خبر الاعتداء سبق الصورة. فقد أذاعت قناة BFMTV الإخبارية، نقلاً عن مصادر شرطية، رواية مفادها بأن مسنّيْن جُرّدا من ملابسهما خلال التظاهرات، وجاءت هذا الصورة لتبدو كأنها دليل على الرواية. ثم شاركتها الصفحة الرسمية لنقابة ضباط الشرطة الفرنسية ومفوّضيها، وهم المفترض أنهم المعنيون حصراً بملاحظة التفاصيل، لتصبح صورة رجل برأسين يسلب امرأة شبه عارية، تبدو إحدى يديها بأربع أصابع، صورةً تختزل مظاهرات فرنسا.

يبدو مفهوم "ما بعد الحقيقة" أحياناً أكبر وأعقد من الأمثلة والوقائع التي يُراد شرحه بها. الكذب قديم قدم السياسة نفسها وربما أقدم منها، وكذلك رغبة الإنسان في تصديق ما يوافق هواه، لكن الخطورة تبدأ حين يفقد إثبات الواقعة قدرته على إلزام الناس بمحاسبة المسؤولين عنها واتخاذ موقف منها، فالمحاسبة تحتاج أرضية مشتركة تتيح للناس الاختلاف، مع إقرارهم بأن شيئاً قد حدث، وأن على أحدٍ أن يجيب عنه. وحين تصبح كل واقعة قابلة للإغراق في رواياتٍ متعارضة، يطول النزاع ويتحول إلى خلاف حول وقوعها أصلاً. حتى الشك، وهو من أدوات التفكير الحر، يمكن تسخيره هنا لخدمة السلطة: يتعب الناس من التحقّق المتواصل، وقد يستقرّ لديهم في النهاية أن معرفة ما جرى مستحيلة، فينسحبون من المطالبة بالحقيقة.

للموقع الإسرائيلي الذي نشر الصورة توجّه دعائي لترويج دولة الإبادة، وقد وثّقت التحقيقات استعماله صوراً مصطنعة لتصوير فرنسا بوصفها بلداً غارقاً في فوضى المهاجرين المسلمين الذين يرفعون الأعلام الفلسطينية ويدعمون غزّة، وهنا تحديداً تصبح المسألة واضحة، فالحقيقة لدى جيل زد أصبحت واضحة تماماً. ومن هنا تأتي محاولة إرباك هذا الموقف بالدعاية والتضليل، وإغراق النقاش بروايات مضلّلة. يجري هذا الآن في فرنسا وسيجري في أي مكان آخر حيث تكشف الوقائع مسؤولية مرتكبي الجرائم، سواء في جرائم الإبادة أو القمع السياسي أو الاضطهاد والتمييز الاجتماعي، أو حتى الاعتداءات على البيئة، والجيل زد هو تحديداً المستهدف. ويبقى الفقراء من أصول أفريقية وآسيوية متّهمين في أحداث لم يظهر أي دليل على تورّطهم فيها. يكفي أن يظهر أشخاصٌ يرتدون السواد في صورة ملفّقة، حتى يجد الاتهام طريقه إلى جماعة كاملة، ويصبح مطلوباً منهم إثبات براءتهم. ولو توقّف أحد عند أسباب الاحتجاجات، لوجد أن للمهاجرين ما يدفعهم إلى المشاركة، فالفقراء الذين يعيشون في ظروفٍ معيشيةٍ هشّة ودخل محدود يكونون أشدّ المتأثرين بسياسات تقليص الحماية الاجتماعية وتزداد أعباء العيش عليهم. وهنا يمكن ملاحظة ما يراد من مفهوم "ما بعد الحقيقة" ويظهر أثر التضليل فيصبح الفقير مطالباً بتبرير وجوده في الشارع، في حين تُعفى الحكومة من تفسير السياسات التي أسهمت في دفعه إليه.

النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.

المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗

أخبار ذات صلة

أبرز الأخبار في بريدك

اشترك لتصلك أهم الأخبار والتقارير.