الأميركيون يدفعون ثمن معركة ترامب الجمركية
حين ارتفعت كلفة استيراد الألعاب التعليمية من الصين إلى مستويات غير مسبوقة بالنسبة إلى شركته، قرر رئيس شركة "ليرنينغ ريسورسز" العائلية قرب شيكاغو، ريك ولدنبرغ، أن يفعل ما لم تفعله شركات أكبر بكثير: مقاضاة الرئيس الأميركي دونالد ترامب. وقال ولدنبرغ لإذاعة "أن بي آر" الأميركية: "لم يكن أحد سينقذنا سوى أنفسنا". فشركته، التي توظف نحو 500 شخص، وجدت أن أعباء الرسوم على وارداتها ارتفعت إلى 44 ضعف مستواها السابق في ذروة الأزمة. وبعد نحو عشرة أشهر من رفع الدعوى، كانت قضية الشركة إحدى القضايا التي انتهت بإسقاط أوسع رسوم جمركية فرضتها أميركا منذ نحو قرن، لكن القصة لم تنته عند هذا الحد. ففي اليوم الذي خسر فيه الرئيس دونالد ترامب أمام المحكمة العليا، أعلن رسوماً جديدة بموجب قانون آخر. وحين انتهت صلاحيتها، استبدل بها رسوماً ثالثة، وعادت الشركة نفسها إلى المحكمة من جديد. فكيف بدأت هذه الأزمة؟ وهل خسرها ترامب فعلاً؟ ومن دفع ثمنها؟
تعمق أكثر
الطوارئ بوابة للرسوم
بدأت القصة في الأول من فبراير/شباط 2025، حين أعلن ترامب حالة "طوارئ وطنية"، بسبب تدفق مخدر الفنتانيل والهجرة غير النظامية، وأعلن فرض رسوم بنسبة 25% على معظم السلع الكندية والمكسيكية، و10% على السلع الصينية. واستند ترامب إلى قانون الصلاحيات الاقتصادية في حالات الطوارئ الدولية، الصادر عام 1977، الذي استخدمه الرؤساء الأميركيون تقليدياً لفرض العقوبات وتجميد الأصول، لا لفرض الرسوم الجمركية. ثم جاء الثاني من إبريل/نيسان 2025، الذي أطلق عليه ترامب اسم "يوم التحرير". ففي ذلك اليوم، أعلن حالة طوارئ جديدة بسبب العجز التجاري، وفرض رسوماً "متبادلة" بحد أساسي يبلغ 10% على معظم الواردات، مع نسب أعلى على عشرات الاقتصادات. وبحسب مختبر الميزانية في جامعة ييل، قفز متوسط معدل الرسوم الفعلي في أميركا من نحو 2.4% مطلع 2025 إلى ما يقارب 27% في ذروة التصعيد، مسجلاً أعلى مستوى منذ أكثر من قرن.
الأسواق تدفع أول فاتورة
كانت ردة فعل "وول ستريت" فورية وعنيفة. فقد هبط مؤشر "ستاندرد آند بورز 500" بأكثر من 10% خلال يومي 3 و4 إبريل 2025، بينما خسر مؤشر "داو جونز" نحو 3910 نقاط. وسجلت شركات المؤشر الأول خسائر في القيمة السوقية بلغت خمسة تريليونات دولار خلال الجلستين، بحسب "رويترز". وتحولت المواجهة مع الصين إلى حرب تجارية مفتوحة. فقد رفع ترامب الرسوم الإضافية على السلع الصينية إلى 145%، وردت بكين برسوم بلغت 125% على السلع الأميركية، بما هدد بتعطيل جانب كبير من التجارة بين أكبر اقتصادين في العالم. وتحت ضغط الأسواق، تراجع ترامب جزئياً في 9 إبريل، معلناً تعليق الرسوم المرتفعة لمدة 90 يوماً لجميع الدول المشمولة باستثناء الصين، مع إبقاء الرسم الأساسي. وقفز مؤشر "ستاندرد آند بورز 500" بنحو 9.5% في يوم واحد، في أكبر مكسب يومي له منذ 2008.
ثم توالت الهدنات والاتفاقات. فخفّضت واشنطن الرسوم الإضافية على الصين إلى 30% في مايو/أيار 2025، وتوصلت إلى اتفاق إطاري مع بريطانيا، ثم اتفاقات مع الاتحاد الأوروبي واليابان تضمنت رسوماً بنسبة 15% على سلع مشمولة، مقابل تعهدات باستثمارات ومشتريات ضخمة. وفي نهاية أكتوبر/تشرين الأول 2025، خفض ترامب الرسوم المرتبطة بالفنتانيل على الصين إلى 10%، ضمن تفاهمات شملت مشتريات زراعية، وتيسير الوصول إلى المعادن النادرة. ورغم ذلك، لم تمنع الرسوم العجز التجاري في السلع من بلوغ مستوى قياسي جديد عند 1.24 تريليون دولار في 2025، بحسب بيانات وزارة التجارة الأميركية التي نقلتها وكالة فرانس برس.
ستة قضاة يوقفون الرئيس
في الوقت الذي كانت فيه العواصم تفاوض، كانت المعركة القضائية مستمرة. ففي مايو 2025، قضت محكمة التجارة الدولية الأميركية بأن رسوم الطوارئ غير قانونية. وأيدتها محكمة الاستئناف للدائرة الفيدرالية في أغسطس/آب 2025، مع إبقاء الرسوم سارية إلى حين البت النهائي. وفي 20 فبراير 2026، حسمت المحكمة العليا الأميركية القضية بأغلبية ستة أصوات مقابل ثلاثة، مقررة أن قانون الصلاحيات الاقتصادية في حالات الطوارئ الدولية لا يمنح الرئيس سلطة فرض الرسوم الجمركية. وأكدت الحكمَ سلطة الكونغرس الدستورية في فرض الضرائب والرسوم، وعدم منح القانون الذي استند إليه ترامب تفويضاً بفرض تلك الرسوم. وشمل الإبطال الرسوم المرتبطة بالفنتانيل على كندا والمكسيك والصين، و"الرسوم المتبادلة"، وغيرها من الرسوم المفروضة بموجب القانون نفسه. وكانت رسوم الطوارئ تمثل نحو نصف إجمالي إيرادات الجمارك الأميركية، بحسب نموذج "بن وارتون" للميزانية في جامعة بنسلفانيا.
العودة من باب آخر
لم ينتظر ترامب طويلاً. فبعد الحكم مباشرة، أعلن رسوماً عالمية بنسبة 10% بموجب المادة 122 من قانون التجارة لعام 1974، وهي مادة تسمح للرئيس بفرض رسوم لا تتجاوز 15% لمدة تصل إلى 150 يوماً لمعالجة مشكلات كبيرة وخطيرة في ميزان المدفوعات، ويتطلب تمديدها موافقة الكونغرس. وفي 7 مايو 2026، قضت محكمة التجارة الدولية بأن هذه الرسوم أيضاً غير قانونية، لكنها حصرت أثر الحكم في الجهات المدعية. ثم علقت محكمة الاستئناف تنفيذ الحكم، فبقيت الرسوم سارية حتى انتهت مدتها القانونية في 24 يوليو/تموز 2026. وفي اليوم نفسه، دخلت حيز التنفيذ رسوم ثالثة، هذه المرة بموجب المادة 301 من القانون ذاته، بدعوى تقصير 60 اقتصاداً في حظر استيراد السلع المنتجة بالعمل القسري أو إنفاذ هذا الحظر. وتراوحت النسب بين 10% و12.5%، مع استثناءات، وشملت إجراءات التحقيق اقتصادات تمثل 99.4% من واردات أميركا، بحسب مكتب الممثل التجاري الأميركي.
ورأى خصوم الإدارة في ذلك محاولة لإعادة بناء النظام الجمركي نفسه تحت مسوغ قانوني جديد. فقد رفعت 25 ولاية دعوى أمام محكمة التجارة الدولية في أغسطس الماضي، تطالب بإلغاء الرسوم الجديدة. كما عادت شركة "ليرنينغ ريسورسز" إلى القضاء. وقالت مديرة التسويق في الشركة، إيلانا روفمان، لصحيفة "ديلي هيرالد": "الأمر لا يتعلق حقاً بالعمل القسري، بل برفع الضرائب". واستمعت المحكمة إلى المرافعات في 30 سبتمبر/أيلول الماضي، وطلبت من الأطراف مذكرات إضافية قدمت منتصف أكتوبر، من دون تحديد موعد للحكم. وإلى جانب ذلك، بقيت رسوم أخرى لم يمسها حكم المحكمة العليا، لأنها فرضت بموجب المادة 232 من قانون توسيع التجارة لعام 1962، الخاصة بالأمن القومي، ومنها رسوم الصلب والألمنيوم والنحاس والسيارات وبعض منتجات الأخشاب والأثاث.
فاتورة الاسترداد
ترك حكم المحكمة العليا الحكومة أمام مطالبات مالية ضخمة. فقد دفع أكثر من 330 ألف مستورد نحو 166 مليار دولار من رسوم الطوارئ، عبر أكثر من 53 مليون شحنة، وفق بيانات قضائية. وبدأت الحكومة إعادة الأموال في مايو 2026. وقدر مكتب الميزانية في الكونغرس، في مراجعته الصادرة في 8 أكتوبر، أن نحو 130 مليار دولار أعيدت خلال السنة المالية المنتهية في 30 سبتمبر الماضي. وبحسب المكتب، انخفض صافي إيرادات الجمارك بنسبة 11% إلى 172 مليار دولار، لكن الأموال المستردة تعود إلى المستوردين، ولا تعني تلقائياً تعويض المستهلكين الذين تحملوا جزءاً من الرسوم عبر الأسعار. وأظهر مسح لشركة "نتستوك" في إبريل الماضي أن 82% من الشركات الصغيرة والمتوسطة المشاركة كانت تمرر تكلفة الرسوم إلى زبائنها.
من دفع الثمن؟
طالما أكد ترامب أن المصدرين الأجانب هم من يدفعون الرسوم، لكن دراسة لاقتصاديين في بنك الاحتياط الفيدرالي في نيويورك، نشرت في 12 فبراير 2026، خلصت إلى أن الشركات والمستهلكين الأميركيين تحملوا نحو 90% من العبء الاقتصادي للرسوم خلال 2025، فيما خفض المصدرون الأجانب أسعارهم بدرجة محدودة. وحتى بعد إبطال رسوم الطوارئ، قدر مختبر الميزانية في جامعة ييل، في تحديث نشره في 24 أغسطس الماضي، أن السياسة الجمركية القائمة ترفع مستوى أسعار المستهلكين بنحو 0.7%، وتفرض كلفة تعادل نحو 1100 دولار سنوياً للأسرة في المتوسط.
وبلغ متوسط معدل الرسوم القانوني 11% في ذلك التحديث، مع توقع ارتفاعه إلى 11.8% بنهاية العام بفعل زيادات مقررة. وقدر المختبر حصيلة الرسوم خلال عشر سنوات بنحو 1.9 تريليون دولار، قبل احتساب أثرها السلبي بالناتج المحلي الإجمالي. وعوّض مؤشر "ستاندرد آند بورز 500" خسائره وبلغ مستوى قياسياً جديداً بحلول 27 يونيو/حزيران 2025، لكن الشركات اضطرت إلى التخطيط في ظل قواعد جمركية تغير أساسها القانوني ثلاث مرات في أقل من ستة أشهر خلال 2026.
هل خسر ترامب؟
تتوقف الإجابة على معيار الحكم. فمن الناحية القانونية، تلقى ترامب هزيمتين واضحتين: الأولى أمام المحكمة العليا، والثانية أمام محكمة التجارة الدولية في رسوم المادة 122، وهو يواجه الآن اختباراً ثالثاً في رسوم العمل القسري. ومن الناحية المالية، اضطرت الحكومة إلى إعادة عشرات المليارات، في وقت بلغ فيه عجز الموازنة نحو 1.99 تريليون دولار في السنة المالية 2026، وهو الأكبر في خمس سنوات. أما من زاوية الأهداف التي أعلنها ترامب نفسه، فالصورة متباينة، فالعجز التجاري في السلع لم يتراجع، بل سجل رقماً قياسياً في 2025. كما لم تظهر بعد عودة واسعة لوظائف المصانع التي وعد بها، لكن في المقابل، نجح ترامب في تثبيت الرسوم الجمركية أداة دائمة في السياسة الأميركية. فالمعدل الحالي يبقى الأعلى منذ عقود، وما زالت الرسوم تدر إيرادات كبيرة، ويقدر مختبر ييل أنها قد تجمع نحو 1.9 تريليون دولار خلال عشر سنوات إذا بقيت على حالها. كما احتفظت الإدارة بالاتفاقات التي أبرمتها مع شركاء كبار مثل الاتحاد الأوروبي واليابان، وصممت رسوم العمل القسري بسقوف تحترم تلك الاتفاقات. بعبارة أخرى، خسر ترامب السلاح الذي بدأ به الحرب، لكنه لم يخسر الحرب نفسها بعد.
معركة لم تنتهِ
قد تكون الخسارة الأوضح في هذه الأزمة هي فكرة أن الرئيس يستطيع وحده، وبقرار طوارئ، أن يعيد رسم تجارة أميركا مع العالم. فقد أعاد حكم المحكمة العليا التذكير بأن الضرائب، مهما كانت تسميتها، شأن يعود إلى الكونغرس، لكن الأزمة لم تنته بعد. فمصير رسوم العمل القسري معلق بحكم قضائي قادم، ونتيجة انتخابات التجديد النصفي في 3 نوفمبر/ تشرين الثاني قد تحدد ما إذا كان الكونغرس سيترك الرسوم للبيت الأبيض أم سيستعيد سلطته عليها.
وإلى أن يحسم ذلك، يظل المستهلك الأميركي الطرف الذي لم يستشره أحد، ولم يسترد شيئاً مما دفع.
النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.
المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗