دموع الكتاب والمقاعد الفارغة
بكى الكاتب الجزائري حامد ياسين حين وجد القاعة فارغة من الحضور في مناسبة توقيع روايته. اعتقد، كما يعتقد أي كاتب، أن تأليف عمل أدبي لا بدّ أن يُكافأ بقرّاء ومتابعين. فالمؤلف لا يتوقع، في لحظة كهذه، حضوراً بعدد صفحات روايته، وهو ما لن تستوعبه، بالطبع، مساحة أصغر بثلاثة أضعاف من قاعة رقص؛ إن ما يعيد إليه بعض الثقة بالأدب وقرّائه هو بضعة أصدقاء مقرّبين يتحلّقون حول عمله الجديد، مع باقة من الورد الجوري إن وُجدت، ثم ثلّة من المهتمين، أو حتى عابرون اقتربوا بفضول من الكاتب للحصول على توقيعه.
لحكاية الكاتب ياسين أسباب شخصية لا نعرفها، وظروف خاصة ترتبط بخصوصية مدينة جزائرية صغيرة، هي بئر العاتر في ولاية تبسة، بعيدة عن مراكز النشر والإعلام. لكنها ليست المرة الأولى التي تنتشر فيها صور لدموع الخذلان هذه، حتى في مدن كبرى ذات حياة ثقافية مزدهرة؛ فقد سبق للروائية الأميركية سوزان يونغ أن نشرت صورة لقاعة توقيع روايتها، بدت فيها الكراسي فارغة، ووصفت التجربة بأنها من أسوأ لحظات مسيرتها الأدبية.
أما الأميركية تشلسي بنينغ، التي لم يحضر حفل توقيع روايتها سوى شخصين، فقد أظهرت دموعها قدرة تسويقية مذهلة؛ فبفضل تلك العبرات والدموع المنهمرة من عينيها، حظيت بتعاطف الناس على وسائل التواصل الاجتماعي، فعادوا لاقتناء أعداد كبيرة من نسخ روايتها "التيجان والأساطير".
يبدو أن الأمور تحدث على عكس المتوقع؛ فقد عجزت الكاتبة عن استقطاب جمهور إلى قاعة توقيعها، لكنها استطاعت، بفضل دموعها، أن تستدرج جمهوراً أوسع إلى روايتها. لم تتغير الرواية، ولم تصدر في نسخة مزيدة ومنقحة، إنما تغيّرت طريقة وصولها إلى الناس. لا أدري إن كان القرّاء بحاجة إلى مثل تلك الدموع كي ينتبهوا.
في واقعنا الملتبس، لم تعد الكتابة وحدها كافية لجذب الانتباه؛ فالأهم، على ما يبدو، هو سيل من الصور والانطباعات عن الكاتب، أي ما يظهر بخفّة، مهلّلاً وبرّاقاً، على السطح. ولذلك، يعود بروز أسماء بعض الكتّاب دون غيرها إلى أساليب مختلفة في جذب الانتباه، وهو ما لا يعني بالضرورة أن أعمالهم أكثر قيمة من أعمال غيرهم.
الكتابة لم تعد وحدها كافية لجذب الانتباه؛ فالأهم، على ما يبدو، هو سيل من الصور والانطباعات عن الكاتب، أي ما يظهر بخفّة، مهلّلاً وبرّاقاً، على السطح
بفضل دموع تشلسي، أصبح بإمكاني أنا أيضاً التعرّف إلى كاتبة جديدة. أما كثير من كتّاب جيلها، فلا يزالون مجهولين بالنسبة إليّ.
لقد أصبحت لثقافة المنصات الرقمية قدرة عجيبة على إعادة ترتيب العلاقة بين الكاتب وقرّائه. هنا مكمن الألم؛ فالكتاب، الذي يُفترض أن يكون مركز الاهتمام، لم يعد سوى تفصيل جانبي في حكاية أكبر عن صاحبه. ربما يكون الكتاب جيداً، لكن جودته لا تملك وحدها القدرة على صنع صورة مثيرة أو حكاية مؤثرة. فالمضمون الأدبي يحتاج إلى وقت كي يُقرأ ويُفهم، بينما تستطيع الصورة استدراج الانتباه في لحظة واحدة، كما يمكن للعاطفة أن تنتج استجابة جماعية قبل أن يطّلع أحد على صفحة واحدة من الكتاب.
لست أبدي أي اعتراض على عواطفنا التي تثير شجناً جماعياً في لحظة واحدة، كالضجة المفاجئة التي تحدثها العصافير في الشجرة المجاورة لغرفة النوم، ولا أقول إن على القارئ أن يتجرّد من مشاعره قبل أن يقرأ. فثمة حكايات شخصية قادتني إلى اكتشاف كتب لم أقرأها، وكم من صورة جعلتني ألتفت إلى كاتب لم أسمع به من قبل. لكن المعضلة تبدأ حين تصبح الحكاية أو الصورة بديلاً من مضمون الكتاب. عندها أشعر بوجود خلل ما، أو تداخل ينبغي ألا يكون بين عالمين متباعدين ومتناقضين، يجعل تقبّل الأمر عسيراً على أمثالي ممن يبحثون في الكتب عن المعنى.
فالقراءة، في جانب منها، فعل عزلة وبطء؛ إنها تقتضي الابتعاد قليلاً عن العالم من أجل العودة إليه على نحو مختلف. أما ثقافة المنصات، فتدفعنا إلى البقاء في قلبه، حيث تتوالى الصور والحكايات والانفعالات، وحيث لا يُترك للأثر الذي تخلّفه تلك التجارب متّسع كافٍ للتفكير فيه، قبل أن يحلّ محلّه أثر آخر.
من هنا، يبدو لي أن المنطق الذي يجعل الانتباه غاية مستقلة عن موضوعه هو ما يهدّد الجدية التي تنطوي عليها القراءة. فحين يصبح الانتباه معياراً للنجاح، يجد الكاتب نفسه مضطراً إلى المنافسة في مجال لا تتحدد قواعده بعمق ما يكتبه وتميّزه بقدر ما تتحدد بقدرته على إثارة الانفعال وصناعة حضور شخصي لافت.
لا تعبّر المقاعد الفارغة عن رداءة الكتاب، مثلما لا تخبرنا القاعة الممتلئة عن آخرها بأن الكتاب جيد ويستحق القراءة
لكن أين يكمن حل هذه الأحجية؟ هل من المناسب أن نطالب الكاتب بالانسحاب من المنصات أو التظاهر بأنه ليس بحاجة إلى قرّاء؟ لا يبدو أن هذا حل يرضي أي كاتب؛ فالكاتب يبحث عن صدى لعمله لدى الآخرين. كما أن الأمسيات الأدبية وتوقيع الكتب ليسا عديمي القيمة؛ فعلى الرغم من أنهما مناسبتان اجتماعيتان عابرتان لا تصلحان للحكم على العمل الأدبي، مثل ما لا تصلح أعداد المشاهدات والإعجابات والمجاملات مقياساً لقيمته، فإنهما قد تمنحان الكتاب فرصة للخروج من عزلته الأولى.
لا تعبّر المقاعد الفارغة عن رداءة الكتاب، مثل ما لا تخبرنا القاعة الممتلئة عن آخرها بأن الكتاب جيد ويستحق القراءة. إن الأمر، في مجمله، يتعلق بشبكة العلاقات التي تحيط بالكاتب، أو بقدرته على تسويق نفسه، أو بظروف المناسبة، أو بأي عامل آخر، وليس دائماً بمضمون الكتاب الذي نشهد حفل توقيعه.
لكننا، في ثقافة تقيس النجاح بما يظهر أمامنا، نميل إلى الخلط بين أن يكون الكاتب مرئياً وأن يكون مقروءاً أو مبدعاً متميّزاً. وتلك، على مقاس جملة شكسبير الشهيرة، هي المسألة.
النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.
المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗