المجتمع الفلسطيني أمام سؤال الانتخابات.. أمنيات تحاصرها التعقيدات
عادت الانتخابات ملفّاً رئيسياً من بين قضايا أخرى تشغل الفلسطينيين، في الضفّة الغربية وقطاع غزّة والقدس، بعد قرار الرئيس محمود عباس، قبل شهورٍ، إجراء انتخاباتٍ لاختيار أعضاء المجلس التشريعي، في شهر نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، قبل أن يعلن عن تأجيلها إلى شهر سبتمبر/أيلول من العام القادم، في وضعٍ فلسطيني زادت تعقيداته مع حرب الإبادة الجماعية، وتعمّق التوجّهات الإسرائيلية نحو السيطرة على الأرض الفلسطينية والتهجير، وتوسيع الاستيطان في عمق المناطق الواقعة تحت مسؤولية السلطة الفلسطينية، وفق الاتّفاقيات.
تعدّدت آراء المجتمع الفلسطيني بين من عبّروا عن لا مبالاةٍ سبّبها الانشغال بقضايا يرونها أهمّ، وأشدّ خطورةً، وفق تعبيرهم، وانتظر آخرون، على أمل تغييرٍ في الحالة السياسية الفلسطينية، لذا شكّل التأجيل خيبة أملٍ لهم، خصوصاً أنّ نسبةً من الشباب في المجتمع الفلسطيني، والذين تجاوز بعضهم منتصف الثلاثينيات، لم يسبق لهم أن انتخبوا، بعدما نُظمت آخر انتخابات في 2006.
"كان السؤال متى التأجيل وليس الانتخابات"، اختصر أستاذٌ جامعيٌّ، خلال حديثٍ في مقهى شعبيٍّ في رام الله، جانباً من توقّعات طيفٍ في المجتمع الفلسطيني، يعبِّر في كلّ المناسبات عن اليأس من تغييرٍ في المشهد السياسي، وهم يرون تهديداتٍ أخرى، أبرزها حرب الإبادة، وهجمات المستوطنين، والتردّي الاقتصادي.
نقاشات الضرورة... احتياجات السياسة الفلسطينية
يتّفق الباحث والناشط، إياد الرفاعي، مع مؤيّدي إجراء الانتخابات في المرحلة الراهنة، ويرى فيها فرصةً حقيقيةً لتحريك المياه الراكدة، وخلق أثرٍ اجتماعي واقتصادي نحو تحسين حياة الناس، وفق وصفه. ويشير إلى الظروف الراهنة في فلسطين، بعد ثلاث سنواتٍ من الحرب، والتغيّرات الكبيرة على المشهد السياسي الفلسطيني، كما يوضح لـ"العربي الجديد". وعن تقييمه لموقف الفصائل من الانتخابات ثمّ تأجيل موعدها، يقول إنّ مصالحها تلاقت من أجل التأجيل، بينما يأسف لخسارة الفلسطيني فرصةً جديدةً في محاولة خلق تغييرٍ في آليات صنع القرار.
ومع العوامل الذاتية في الفصائل، يؤكّد طنينة أنّ حرب الإبادة طاولت قدرة التنظيمات على العمل السياسي، وأساسها التنظيم والحشد والحركة، وهي حالةٌ عانت منها سابقاً، لكنّ العدوان الإسرائيلي الوحشي، منذ 2023، أدخلها في مرحلةٍ غير مسبوقة
هناك سؤالٌ دائمٌ عن جدوى العملية الانتخابية في المرحلة الحالية، وهو ما تراه الأسيرة المحرّرة والكاتبة، فيروز سلامة، النقطة المركزية في التفكير حول ضرورة الانتخابات، حسب تعبيرها، وتضيف: " يجب أن يكون النقاش الأهمّ حول معنى الانتخابات في ظلّ تغوّل الاحتلال على حياة الفلسطينيين، تحت حكمٍ عسكري إسرائيلي يسيطر على الأرض الفلسطينية، إذا انطلقت الانتخابات من قاعدةٍ تخضع لشروط الاحتلال، فسنعود لروابط قرىً بتجربةٍ جديدةٍ، ولن نحصل على مشروعٍ سياسي منطلقٍ من إرادة التحرر لكلّ الجغرافيات الفلسطينية".
وتستشهد فيروز في لقاءٍ مع "العربي الجديد"، بشروطٍ قيل أنّها فُرضت على المرشّحين للانتخابات المحلية، في الضفّة الغربية، خلال العام الماضي، حول ما يسمّى نبذ الإرهاب، والالتزام بالاتّفاقيات بين السلطة وإسرائيل، وهو ما تراه مؤشراً على إرادةٍ لتحويل البلديات إلى هيئاتٍ خدماتية تحت الشروط الإسرائيلية، وترى أنّ هذه التعديلات جوهريةٌ، وأداة تحليلٍ لطبيعة النظام السياسي المطلوب في المرحلة المقبلة وعلاقته بالانتخابات التشريعية والرئاسية.
وتؤكّد فيروز أنّ الانتخابات تكتسب معاناها من الارتباط بمشروعٍ وطنيٍّ حقيقيٍّ، وأنّ التأجيل إذا كان بهدف تعديل شروط عقد العملية الانتخابية ورفض شروط وصف المقاومة بالإرهاب، وفق تعبيرها، فهي خطوةٌ للمصلحة الوطنية الفلسطينية، "لأنّ العمل السياسي الفلسطيني مرتبطٌ بالقدرة على تمتين فعلٍ وأدواتٍ لمواجهة المشروع الاستعماري الإسرائيلي"، وتعليقاً على الداعين للانخراط في العملية الانتخابية ترشُّحاً وانتخاباً، بهدف إجراء إصلاحاتٍ من الداخل في النظام الفلسطيني، تقول إنه كان على الفصائل المقاومة والرافضة للتسوية توضيح موقفها من أهمّية دور الانتخابات في سياق شروطٍ مهتزّة.
بدوره، يقول الباحث وطالب الدراسات العليا، مؤيّد طنينة، إنّ مقاربته لسؤال "هل تحتاج الحالة الفلسطينية للانتخابات في المرحلة الحالية؟" مختلفةٌ قليلاً، ويوضح: "أنّ الانتخابات الفلسطينية مستحيلةٌ، وأقصد أنّ الممارسة الديموقراطية في صورتها المعهودة، صعبة المنال أو مستحيلة". وحول أسباب هذا التحليل، يضيف: " لن تقبل الولايات المتّحدة الأميركية والاتّحاد الأوروبي، رعاة الانتخابات، بأن تأتي بحزبٍ أو ائتلافٍ سياسي، يتبنى رؤىً معاديةً لإسرائيل، أو يرفع شعار مقاومتها".
في المقابل، يتفق طنينة، في حديثٍ مع "العربي الجديد" مع أنّ الانتخابات مناورةٌ سياسيةٌ تحرّك المياه الراكدة، وقد تفرز واقعاً مغايراً بنسبةٍ ما عن حالة التكلس غير المسبوقة في النظام الفلسطيني، مع تخوّفه ممّا يسمّيه "صعود شخصياتٍ تكنوقراطية في الانتخابات؛ همّها ما تسمّيه مشاريع تنموية وريادية، من دون الالتفات إلى الواقع الاستعماري في فلسطين"، وهو ما بات مستحيلاً أصلاً في ظل الهجمة الاستيطانية المتصاعدة، كما يقول.
قطاع غزّة والتغيير السياسي
يعيش الفلسطينيون في قطاع غزّة واقعاً مأساوياً مركّباً من حرب الإبادة والتدمير واستمرار الحصار، لكنّ الحديث عن الانتخابات أخذ طريقه إلى النقاشات اليومية، تقول لينا الطويل من مخيّم النصيرات: "إنّ استمرار تأجيل الانتخابات يفاقم أزمة الثقة بين الفلسطينيين والنظام السياسي، ويحرم الشعب من حقّه في اختيار ممثليه"، وتؤكّد الربط بين إصلاحٍ سياسي حقيقي والعملية الانتخابية، وأنّ الحالة الفلسطينية تحتاج إلى انتخاباتٍ تصفها بأنها يجب أن تكون حقيقية أكثر من أي وقت مضى. وتستدرك أنّ الانتخابات يجب ألا تكون مجرد استحقاقٍ شكلي، بل فرصةً حقيقية لتصحيح المسار، وأهمّ شروط هذا المسار، كما تقول، هو منح الشباب الثقة والمسؤولية.
تشير الطويل لـ"العربي الجديد" إلى أسباب مختلفةٍ لتأجيل الانتخابات، أبرزها ما تقول إنّها تعقيداتٌ سياسية داخلية، وغياب التوافق الوطني على قواعد العملية الانتخابية، مضافاً إليها القيود والعراقيل المفروضة من قبل الاحتلال، بينما مسؤولياتٍ ترى أنّها تقع على السلطة، تتضمّن مراجعةً شاملةً لأدائها، وترجمة الحديث عن الإصلاح إلى خطواتٍ عملية وملموسة، واستعادة الوحدة الوطنية، وتوسيع قاعدة المشاركة السياسية، وأن تضع المواطن في صدارة أولوياتها والاهتمام بمعالجة الأزمات المعيشية والاقتصادية.
ورغم أنّها تعبر عن تفهما طبيعة العقبات المفروضة على عقد الانتخابات من جانب الاحتلال، إلّا أنّ نجلاء سكافي، من قطاع غزّة، تؤكّد بعد حربٍ مدمرةٍ عاشتها مع عائلتها ومئات الآلاف من الفلسطينيين، أنّ تأجيل الانتخابات يزيد من أزمة الثقة بين الفلسطينيين والمؤسسات السياسية، وترى أنّ تجاوز القيود الإسرائيلية يحتاج إلى خطّةٍ، وليس تأجيل العملية الانتخابية، لأنّها ضرورةٌ لتجديد الشرعيات السياسية، وإتاحة الفرصة أمام قوى جديدة، وشرط تحقيق هذه الطموحات هو احترام النتائج وإنهاء الانقسام.
حول دور الفصائل
ترتبط الحالة السياسية الفلسطينية عميقاً بالتنظيمات والفصائل، لما لها من حضورٍ تاريخي، في المواجهة مع إسرائيل وتشكيل شكل النظام السياسي والعلاقات الداخلية، وتتفق نسبةٌ كبيرةٌ من الفلسطينيين على أنّ القوى السياسية فقدت جانباً من قوتها، لأسبابٍ أبرزها العدوان الإسرائيلي والانقسام وتراجع المشروع الوطني، حسب وصفهم، ويقول إياد الرفاعي إنّ الفصائل لا يمكن أن تخسر دورها، لكنّه تدهور إلى حالةٍ من ضعف التأثير في الشارع الفلسطيني.
وتؤكّد فيروز أنّ الانتخابات تكتسب معاناها من الارتباط بمشروعٍ وطنيٍّ حقيقيٍّ، وأنّ التأجيل إذا كان بهدف تعديل شروط عقد العملية الانتخابية ورفض شروط وصف المقاومة بالإرهاب، وفق تعبيرها، فهي خطوةٌ للمصلحة الوطنية الفلسطينية
ويرى مؤيد طنينة أنّ دعوة الفصائل التوجه إلى حوار وطني شامل يهدف إلى تأجيل الانتخابات، بسبب ترددها، وتوتّرها، وحالة اللايقين السائدة في أوساطها، حسب وصفه، و"حالة التردّد جزئيةٌ عند فتح بسبب الحاجة لإجراء العملية الانتخابية، بسبب الاشتراطات الأوروبية المرتبطة بتمويل السلطة".
ومع العوامل الذاتية في الفصائل، يؤكّد طنينة أنّ حرب الإبادة طاولت قدرة التنظيمات على العمل السياسي، وأساسها التنظيم والحشد والحركة، وهي حالةٌ عانت منها سابقاً، لكنّ العدوان الإسرائيلي الوحشي، منذ 2023، أدخلها في مرحلةٍ غير مسبوقة.
وحول الخطوات المرجوّة من الفصائل لإعادة بناء المشروع السياسي الفلسطيني، يرى أن هناك حاجة إلى انتخاباتٍ داخلية، وإعادة النظر في البرامج السياسية وليس المبادئ العامّة والوطنية، حسب تعبيره، وفتح حوارٍ شامل بين مكونات الحركة الوطنية الفلسطينية، طابعه الشفافية والوضوح مع المجتمع.
ويبدو التقييم مشابهاً من قطاع غزّة، إذ ترى نجلاء السكافي أنّ الحرب كشفت عن أزمةٍ في قدرة الفصائل على الاستجابة لاحتياجات المجتمع، وهو ما يفرض عليها مراجعة برامجها، وتجديد قياداتها، واستعادة ثقة الناس. وأمام التحدّيات الكبيرة الراهنة، تشدّد على أهمّية الاتفاق على برنامجٍ وطني مشترك، وإنهاء الانقسام، وإشراك الفلسطينيين في الداخل والشتات في صنع القرار.
تقرأ فيروز سلامة المطلوب من مشروع التجديد في فلسطين من رؤيةٍ واسعة، كما تقول، مرتبطةٍ بإقامة تكتّلٍ جامع، يريد النهوض بالقوى نحو مواجهة التحدّي الاستعماري، وتقول إنّ المقاومة ليست عسكرية فقط، بل يجب أن تتغلغل في الحياة اليومية والمعيشية، من التعليم والاقتصاد وغيرها، وأحد أهدافها الأساسية هي حفظ كرامة الفلسطيني.
"لا نستطيع القول إنّ التنظيمات فقدت دورها"، تقول فيروز، وهي تحذّر من الانسياق خلف ما تسمّيه الرواية الإسرائيلية حول تدمير الفصائل، وتحاول التفريق في التحليل بينها، وتوضح: "في الواقع السياسي الفلسطيني، هناك فصائل مستمرّةٌ في الميدان، وفي محاولة اجتراح أدوات للنضال، وما زالت فاعلةً سياسياً بدرجاتٍ مختلفة، وأخرى دخلت في المسار السياسي، وعند تفكيك سؤال هل فقدت التنظيمات دورها، يجب أن ننظر إلى الواقع المتخلّق من إجراءات الاحتلال العدوانية، في فصل الجغرافيات الفلسطينية، ومحاربة الكوادر الفاعلة، واعتقال المئات، واغتيال آخرين، واستمرار حرب الإبادة، ومحاولة منع الفلسطينيين حتّى من التعبير تحت ذريعة محاربة ما يسمى التحريض، وهذا السياق الأمني المعقّد المستهدف لكل الفلسطينيين، بما فيها الفصائل، بالنار والبارود، مكوّنٌ هامٌّ في الفهم".
وتستدرك أنّ مساحة النقد يجب أن تكون خارج الرواية الإسرائيلية، وتلك الغارقة في الرومانسية، وتؤكّد أنّ المراجعة والتقييم مطلوبان من الفصائل وكلّ القوى، على طريق تطوير أدواتها ومشروعها، وتؤشّر إلى استعادة التفاعل الشعبي في الشارع الفلسطيني، وتربط بين الماضي والحاضر في ما تراها أزمةٌ فلسطينيةٌ، فقد كان حراك المجتمع يسبق الفصائل، لكنّ الحالة انقلبت في السنوات الأخيرة، حسب وصفها، وتضيف: "العمل الفصائلي مهمٌّ، ولا نقول بوجوب إلغائها أو وقف تمايزه، لكن عليها تدارك الأزمات الحاصلة، والانفصال عن المجتمع، والضرر اللاحق بالعمل الشعبي، والتفرّد في القرارات، وغير ذلك من أزمات، وأوّل الطريق هو عودة التنظيمات إلى الحاضنة المجتمعية".
تشاؤمٌ وأمل
لا تبدي نسبةٌ واسعةٌ من الفلسطينيين تفاؤلاً بالحاضر، ويرون أنّ المانع الذي يحول دون أن تتحوّل التضحيات المقدّمة في النضال ضدّ الاحتلال إلى مكاسب سياسية، كما تؤكّد نجلاء سكافي، هو غياب قيادةٍ موحدة، ورؤيةٍ واضحة، وأدواتٍ فاعلة، وفق توصيفها، ولا تتوقّع انهياراً للسلطة في الفترة المقبلة، رغم ما تمرّ به من أزماتٍ مالية عميقة، بفعل الحصار الاقتصادي الإسرائيلي، وضعف الثقة الشعبية.
يتّفق الباحث والناشط، إياد الرفاعي، مع مؤيّدي إجراء الانتخابات في المرحلة الراهنة، ويرى فيها فرصةً حقيقيةً لتحريك المياه الراكدة، وخلق أثرٍ اجتماعي واقتصادي نحو تحسين حياة الناس
وتؤكّد لينا الطويل، وهي تعيش النزوح مع عائلتها بعد قصف منزلهم قبل شهور، أنّ الشعب الفلسطيني يستحق بعد تضحياته الكبيرة قيادةً موحّدةً تحمل مشروعاً يخدمه، وما زالت رغم سنوات الانقسام تتمسّك بأنّ الوحدة الوطنية ما زالت ممكنةً، وأنّ الحاجة إلى توافق فلسطيني تأكّدت أثناء حرب الإبادة، وهو ما لا يتحقّق بالشعارات، كما تقول، بل بإرادةٍ سياسية صادقة، وتنازلاتٍ متبادلة بين الفصائل.
ويتّفق مؤيد طنينة مع الآراء المتشائمة، إلى درجة أن لا أداء للسلطة لتقييمه، حسب وصفه، ويقول: " تمارس السلطة دور المتفرّج السلبي، وهذا هو الأداء الوحيد الواجب التقييم، من المهمّ عدم التغافل عن أنّ ضعف النظام الفلسطيني هو مطلبٌ أميركيٌّ إسرائيلي أوروبي، لتحويله لأداء مهام أمنيةٍ فقط، من دون السياسية".
النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.
المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗