الحرية الدينية للمسلمين في دول الاتحاد السوفييتي
لطالما اعتبرتُ فرنسا الأسوأ في تفسيرها لمفهوم اللائكية (laïcité). لكن بعد زيارتي أوزبكستان وتعمّقي في معرفة الجمهوريات ذات الأغلبية المسلمة في الاتحاد السوفييتي السابق، بدأتُ أعيد النظر في هذا الموقف، إذ يبدو أن كثيراً من هذه البلدان ينافس فرنسا في تحويل العلمانية إلى نوع من دين الدولة، دين يعرّف نفسه من خلال معاداة الدين ذاته.
إن الجدل الدائر حول الحجاب في أذربيجان يتجاوز بكثير مسألة غطاء الرأس. فهو يطرح سؤالاً جوهرياً حول معنى العلمانية في البلدان التي تدّعي حكوماتها الدفاع عن الدولة العلمانية، فيما تقيّد حرية المواطنين في ممارسة دينهم. فعندما تُحرم فتاة من دخول المدرسة لأنها ترتدي الحجاب، أو يُثبَّط الأطفال عن دخول المساجد أو يُمنعون من ذلك، أو تقرّر الدولة أيّ الممارسات الدينية تتوافق مع الهوية الوطنية، فإن العلمانية تخاطر بالتحوّل إلى شيء مختلف تماماً عن ضمان الحرية؛ إذ تصبح أيديولوجيا للسيطرة على المجتمع.
أدخلت أذربيجان، في سبتمبر/ أيلول 2026، قواعد للزي المدرسي تحظر الملابس التي تُعدّ غير متوافقة مع مبدأ التعليم العلماني. وعلى الرغم من أن القواعد الجديدة لا تذكر الحجاب صراحةً، فإن تطبيقها أدّى، بحسب تقارير، إلى منع طالبات ومعلّمات من دخول المدارس بسبب ارتدائه. وقد أعقبت ذلك احتجاجات. وتقدّم الحكومة موقفها بوصفه دفاعاً عن التعليم العلماني، فيما يرى منتقدوها فيه انتهاكاً للحرية الدينية. وليس السؤال ما إذا كان يجوز للمدارس فرض متطلبات معقولة للزي المدرسي، بل ما إذا كان يحق للدولة أن تحرم المواطنين من التعليم لأن لباسهم الديني يتعارض مع تصور رسمي للعلمانية.
يندرج هذا الجدل ضمن تاريخ أوسع بكثير. ففي الجمهوريات السوفييتية السابقة ذات الأغلبية المسلمة -أذربيجان وكازاخستان وقرغيزستان وطاجيكستان وتركمانستان وأوزبكستان- سعت الحكومات، بطرائق ودرجات متفاوتة، إلى تنظيم الحياة الدينية. وسياساتها ليست متطابقة، كما أن تواريخها السياسية ليست واحدة. ومع ذلك، يمكن ملاحظة نمط متكرر: تدّعي الدولة امتلاك سلطة التمييز بين التدين المقبول والتدين غير المقبول، وغالباً ما تستند إلى اعتبارات النظام العام أو التقاليد الوطنية أو التطرّف أو الطابع العلماني المفترض للتعليم الحديث.
لا أزعم أن العلمانية معادية للدين بطبيعتها. بل على العكس تماماً، فإن الدولة العلمانية التي يمكن الدفاع عنها ضرورية لحماية حرية الضمير ومنع السلطات الدينية من احتكار السلطة السياسية. لكن المشكلة تبدأ عندما تتوقف العلمانية عن كونها ترتيباً دستورياً يحمي الحرية، وتتحول إلى عقيدة تُفرض على المجتمع. ففي هذه الحالة، لا تكتفي الدولة بالفصل بين الدين والحكومة، بل تسعى إلى إخضاع الدين نفسه لحكمها.
في الجمهوريات السوفييتية السابقة ذات الأغلبية المسلمة، سعت الحكومات، بطرائق ودرجات متفاوتة، إلى تنظيم الحياة الدينية
الإرث السوفييتي: من الإلحاد الشيوعي إلى العلمانية السلطوية
لفهم هذه المفارقة، ينبغي العودة إلى التحول السياسي الذي أعقب تفكك الاتحاد السوفييتي عام 1991. فقد مثّل الاستقلال، بالنسبة إلى كثيرين، فرصة لاستعادة الثقافات واللغات والتواريخ الوطنية التي أخضعها الحكم السوفييتي. كما أتاح لكثير من المواطنين إمكانية استعادة الممارسات الدينية التي همّشها الإلحاد الرسمي أو قيّدها على مدى عقود.
لكن الاستقلال السياسي لم يؤدِّ بالضرورة إلى تحول ديمقراطي، كما يجادل كريستيان هيربفر وكْسينيا كيزيلوفا في دراستهما. ففي عدد من الجمهوريات، احتفظ مسؤولون سابقون في الحزب الشيوعي بالسلطة، وورثوا مؤسسات الدولة، وحوّلوا سلطتهم الإدارية إلى حكم رئاسي. فقد أصبح إسلام كريموف، الرئيس السابق للحزب الشيوعي الأوزبكي، رئيساً لأوزبكستان المستقلة. واستمر نور سلطان نزارباييف، الذي كان أبرز المسؤولين الشيوعيين في كازاخستان، في الحكم بعد الاستقلال. أما صابر مراد نيازوف، الزعيم السابق للحزب الشيوعي في تركمانستان، فقد أسّس نظاماً شديد السلطوية. وفي أذربيجان، عاد حيدر علييف، وهو مسؤول سوفييتي رفيع سابق، إلى السلطة في أوائل التسعينيات، وخلفه ابنه إلهام عام 2003. أما في طاجيكستان وقرغيزستان، فقد اتخذ المسار السياسي أشكالاً مختلفة، لكن أياً من البلدين لم ينجُ من التحديات الأوسع المرتبطة بالسلطوية وتركيز السلطة التنفيذية.
سيكون من التبسيط القول إن كل حكومة من حكومات ما بعد الاتحاد السوفييتي أعادت إنتاج النظام السوفييتي كما هو، من دون تغيير. فقد أحدث الاستقلال الوطني تحولات حقيقية، وسلكت بلدان المنطقة مسارات مختلفة. ومع ذلك، ورث كثير منها ثقافة سياسية تحتفظ فيها الدولة بدور مميّز في تحديد ما يُعدّ حياة عامة مشروعة، فيما لا تضمن الانتخابات بالضرورة منافسة حقيقية أو تداولاً سلمياً للسلطة. وهذا الاستمرار مهم لفهم السياسات الدينية. ففي ظل الحكم السوفييتي، لم تكتفِ السلطات بالترويج للإلحاد، بل سعت أيضاً إلى السيطرة على المؤسسات التي تتيح ممارسة الدين ونقل تعاليمه. فقد أُخضعت السلطات الدينية أحياناً لهياكل معتمدة من الدولة، وقُيّد التعليم الديني، وعومل التنظيم الديني المستقل بوصفه تهديداً. وبعد الاستقلال، تغيّرت اللغة الأيديولوجية؛ إذ أخذت الحكومات تستند بصورة متزايدة إلى السيادة الوطنية والاستقرار والحداثة العلمانية ومنع التطرّف. لكن الرغبة في الإشراف على الحياة الدينية غالباً ما استمرت.
وهكذا نشأت مفارقة: حكومات انبثقت من نظام سياسي معادٍ للسلطة الدينية المستقلة، أخذت تدافع أحياناً عن سلطتها الخاصة من خلال ادّعاء الحق في تحديد أشكال الإسلام المشروعة. فقد تحتفي الدولة بالإسلام باعتباره جزءاً من التراث الوطني، فيما تنظر بعين الريبة السياسية إلى الالتزام الديني المستقل. وهذه ليست علمانية بالمعنى الليبرالي، بل شكل من أشكال العلمانية السلطوية تحتفظ فيه الدولة بحق تحديد حدود الدين.
الخطر واضح عندما تُختزل العلمانية في افتراض أن الحداثة تقتضي انسحاب الدين من الحياة العامة. فهذا الافتراض ليس حتمية سوسيولوجية ولا موقفاً محايداً سياسياً
ست دول ومشكلة متكرّرة واحدة
تكشف الوقائع في الجمهوريات الست عن اتساع نطاق تدخل الدولة، كما تكشف عن الاختلافات بين السياقات الوطنية. وإلى جانب أذربيجان، فرضت الحكومة في أوزبكستان، في عهد إسلام كريموف، رقابة واسعة على المؤسسات الإسلامية والممارسات الدينية. فقد واجهت المنظمات الدينية شروطاً صارمة للتسجيل، وقُيّد التعليم الديني خارج الأطر المعتمدة رسمياً، وأخضعت السلطات الأئمة والمنشورات الدينية لرقابة مشددة. كما استهدفت الحكومة مشاركة الأطفال في الحياة الدينية. وقد وثّقت تقارير صادرة عن اللجنة الأميركية للحرية الدينية الدولية تعليمات تقضي بعدم حضور الأطفال إلى المساجد، وقيوداً على مشاركتهم في صلوات رمضان، وحالات تعرّض فيها الأطفال وأولياء أمورهم للتهديد بسبب ارتياد المساجد. وفي بعض المناطق، ثبّط مسؤولو المدارس الأهالي عن إرسال أطفالهم إلى الشعائر الدينية. ساورني شعورٌ بالاغتراب حين لم أسمع الأذان في العاصمة طشقند. فالأذان في المدينة المسلمة، بالنسبة إليّ، يشبه أجراس الكنائس في المدن المسيحية؛ فكلاهما جزء من الهوية الصوتية للمدينة، ومن ذاكرتها التي تتردّد في فضائها وتمنحها روحها.
وفي كازاخستان، قيّدت الدولة أيضاً التعبير الديني في المؤسسات التعليمية. إذ تحظر سياسة الزي المدرسي عناصر تُفسَّر على أنها تشير إلى الانتماء الديني، بما في ذلك أغطية الرأس. وكانت لهذه السياسة عواقب ملموسة: ففي عام 2023، أقرّ وزير التعليم بأن أكثر من 150 فتاة في إحدى المناطق لم يكنّ يرتدن المدرسة لأن أسرهن لم تتمكن من التوصل إلى تسوية مقبولة تتيح لهن ارتداء الحجاب. ولم يُطبَّق هذا التوجه دائماً بصورة متسقة، لكن عدم الاتساق لا يلغي المشكلة الأساسية.
أما في قرغيزستان، فقد اختلف النظام السلطوي تاريخياً عن بعض الأنظمة المجاورة، وشهدت البلاد فترات اتسمت بقدر أكبر من التعددية السياسية. ومع ذلك، اتجهت التشريعات الحديثة نحو تشديد إشراف الدولة. فقد أدّت القوانين التي اعتُمدت في يناير/ كانون الثاني 2025 إلى تشديد متطلبات تسجيل المنظمات الدينية، وتقييد التعليم الديني خارج المؤسسات المعترف بها، وفرض حظر على تغطية الوجه بالكامل في الأماكن العامة، طُبّق على النساء اللواتي يرتدين النقاب.
وفي ما يتعلق بطاجيكستان، استُخدمت الثقافة الوطنية سلاحاً ضد التعبير الديني. ففي يونيو/ حزيران 2024، وقّع الرئيس إمام علي رحمن تشريعاً ينظّم التقاليد والمراسم، ويحظر الملابس التي توصف بأنها غريبة عن الثقافة الوطنية. كما يقيّد القانون جوانب من الاحتفالات الدينية، بما في ذلك ممارسات الأطفال المرتبطة بالعيدين الإسلاميين الرئيسيين، عيد الفطر وعيد الأضحى. وقد برّرت السلطات التشريع بحماية الثقافة الوطنية والحد من الإسراف ومناهضة التعصّب. وهكذا لا تُقيَّم الممارسات الدينية أساساً انطلاقاً من حقوق المواطنين، بل وفق مدى توافقها مع معيار ثقافي رسمي.
أما تركمانستان، فتقدّم أحد أوضح الأمثلة على السيطرة السلطوية، إذ تواجه الجماعات الدينية شروطاً صارمة للتسجيل، ويُحظر النشاط الديني غير المسجّل. وقد وثّقت هيومن رايتس ووتش الضغوط التي يتعرض لها المواطنون المسلمون الذين يُظهرون علامات واضحة على التزامهم الديني. ففي عام 2024، أفادت تقارير بأن مسؤولين أمنيين حذّروا موظفين في القطاع العام أدّوا فريضة الحج من إظهار إيمانهم في العمل، أو إطلاق لحاهم، أو ارتداء أغطية رأس بيضاء، فيما تعرّض بعضهم لضغوط للاستقالة.
لا ينبغي لهذه الأمثلة أن تحجب الاختلافات في نطاق القيود وأشكالها وكيفية تطبيقها. كما لا ينبغي أن توحي بأن جميع المواطنين في هذه البلدان يختبرون السياسات الدينية بالطريقة نفسها. لكنها تكشف، مع ذلك، عن مشكلة مشتركة: تستند الحكومات إلى العلمانية أو الهوية الوطنية أو الأمن لتبرير قيود قد تتجاوز بكثير ما هو ضروري لحماية حقوق الآخرين.
تتطلب الديمقراطية وضع حدود لسلطة الدولة، وحماية حرية الضمير، وضمان المواطنة المتساوية، وإتاحة فرص حقيقية للمواطنين للمشاركة في الحياة العامة
عندما تصبح العلمانية ديناً
في كتابي ضد الليبرالية الرمزية: دعوة إلى علم اجتماع تحاوري، أجادل بأن العلمانية ينبغي أن تُفهم بوصفها ترتيباً سياسياً، لا عقيدة أخلاقية شاملة. واستناداً إلى أعمال باحثين مثل سيسيل لابورد وراجيف بهارغافا، أدافع عن تصور للعلمانية يحافظ على مسافة مبدئية بين الدين والدولة، مع حماية حرية الدين والضمير لدى المواطنين. فلا ينبغي أن تخضع الدولة لحكم سلطة دينية، لكن لا ينبغي لها أيضاً أن تفرض العداء للدين بوصفه رؤية رسمية للعالم.
وألفت الانتباه إلى ما يحدث عندما تتحول العلمانية إلى عقيدة: إذ تبدأ بالمطالبة بالامتثال، والتمييز بين أنماط الحياة المشروعة وغير المشروعة، والتعامل مع الظهور العلني للدين باعتباره مشكلة ينبغي تصحيحها. وعندئذ تكتسب العلمانية بعض السمات نفسها التي تدّعي معارضتها؛ فتصبح دوغمائية، وغير متسامحة مع الاختلاف، ومقاومة للحوار.
ويبدو الخطر واضحاً على نحو خاص عندما تُختزل العلمانية في افتراض أن الحداثة تقتضي انسحاب الدين من الحياة العامة. فهذا الافتراض ليس حتمية سوسيولوجية ولا موقفاً محايداً سياسياً. قد يسهم الدين في ترسيخ تراتبيات محافظة، لكنه قد يوفّر أيضاً للجماعات موارد أخلاقية وتضامناً ووسائل لمقاومة الهيمنة. وتتوقف آثاره الاجتماعية على السياقات التاريخية والسياسية. أما افتراض أن الالتزام الديني غير عقلاني بطبيعته أو غير متوافق مع المواطنة، فيعني استبدال البحث السوسيولوجي بحكم أيديولوجي.
ولهذا لا يمكن حسم الجدل حول الحجاب بمجرد إعلان أنه رمز للقمع أو، على العكس، رمز للتحرر. فتجارب النساء في ارتداء الحجاب متنوعة؛ وقد يتشكل اللباس الديني بفعل القناعة الشخصية أو توقعات الأسرة والمجتمع أو الضغوط الاجتماعية أو الهوية الشخصية، أو بفعل مزيج من هذه العوامل. ويتطلب الدفاع الجاد عن استقلالية النساء أخذ هذه الاختلافات في الحسبان. فلا يمكن حماية حرية المرأة بحرمانها من حرية اتخاذ خيارات ذات معنى ديني بالنسبة إليها.
إن الرد على السياسات الدينية السلطوية ليس علمانية سلطوية. فالحكومة التي تقمع الدين باسم الحداثة لا تصبح ديمقراطية لمجرد وصف سياساتها بأنها علمانية. تتطلب الديمقراطية وضع حدود لسلطة الدولة، وحماية حرية الضمير، وضمان المواطنة المتساوية، وإتاحة فرص حقيقية للمواطنين للمشاركة في الحياة العامة. وهذا مهم بوجه خاص في البلدان التي لا يزال الإرث السياسي للحكم السوفييتي ظاهراً في العلاقة بين الدولة والمجتمع. فالتحدي لا يتمثل في مجرد استبدال أيديولوجيا رسمية بأخرى، بل في بناء مؤسسات لا تفرض الامتثال الأيديولوجي على المواطنين، سواء اتخذ هذا الامتثال شكل الإلحاد الإجباري أو القومية الرسمية أو الدين الذي توافق عليه الدولة.
لذلك، فإن السؤال الذي تطرحه أذربيجان أكبر بكثير من مسألة ما إذا كان يجوز لطالبة ارتداء الحجاب في المدرسة. إنه سؤال عمّا إذا كانت العلمانية ستؤدي دور إطار للتعددية أم أداة للفرض السلطوي للتجانس. فإذا كانت الأداة الثانية، فإن اللغة تكون قد تغيّرت منذ العهد السوفييتي، لكن المنطق الحاكم يظل مألوفاً على نحو مقلق: تدّعي الدولة الحق في تشكيل ضمائر المواطنين باسم تحريرهم. إن العلمانية الجديرة بمجتمع ديمقراطي لا تتطلب من المواطنين أن يصبحوا أقل تديناً، بل تتطلب من الدولة أن تصبح أقل سلطوية.
النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.
المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗