وليد السقاف: مَن يبنِ نموذجاً لغوياً يضع سياساته
اسأل واحداً من برامج الذكاء الاصطناعي سؤالاً، وانتبه إلى ما يقوله عنك قبل أن يجيبك: "سؤالك ممتاز، وقد وضعتَ يدك على جوهر المسألة. ملاحظة بالغة الذكاء، قليلون من ينتبهون إلى هذه الزاوية، يسعدني أنك طرحتها بهذا الوضوح، فهي تكشف فهماً عميقاً للموضوع"، ثم يأتيك الجواب.
هذا يُسمّى تملقاً عند خبير تكنولوجيا الإعلام والأستاذ المشارك في برنامج الصحافة في معهد الدوحة للدراسات العليا، وليد السقاف. بيد أن الأهم، قوله إن مثل هذا التملق نهج يبتغي تشجيع المستخدم على الاستمرار، ولا يهدف دائماً إلى الوصول إلى الحقيقة.
إذن، المديح الذي يبلغك ليس خُلقاً في الآلة، إنه قرار اتخذه أشخاص في مكان ما، وأنت لم تحضر اجتماعهم. وهم حين يقررون مدحك يقدرون على اتخاذ قرار متى وأين يكون الصمت.
يقول وليد السقاف في مقابلة مع "العربي الجديد" إن داخل هذه البرامج سياسة تحريرية مؤكدة، حتى لو لم تُسمَّ بهذا الاسم. مَن يَبنِ نموذجاً لغوياً يضع سياساته الخاصة طبعاً. كيف يتعامل مع المستخدم، وكيف يجمع المعلومة، وأي المصادر يرفعها وأيها يؤخر. قد يضع وكالة "رويترز" فوق قناة "سي أن أن"، وهذه فوق "فوكس نيوز".
الفارق عن الصحيفة أن الأخيرة تعلن خطّها، وفيها اسم رئيس تحرير ومكان محتمل للأخذ والرد، وأسماء أشخاص طبيعيين يوقعون موادهم، بالتالي ثمة إمكانية لأن تخاصمها، بينما البرنامج لا يعلن شيئاً ويشتغل عليك. ما يجعل كلام السقاف في هذا الباب مختلفاً عن كلام كثيرين، أنه يأتي من جهتين معاً. درس هندسة الكمبيوتر وتخرّج على أمل أن يعمل مطوراً برمجياً، ودخل الصحافة من البيت قبل أن يعود فيَدرُسَها ثم يُدَرّسها.
وحين حجب نظام علي عبد الله صالح موقعه الإخباري سنة 2008، بنى أداة لتجاوز الحجب سمّاها "الكاسر"، فاستُعملت في الصين وإيران وبلدان عربية، منها البحرين، وكان لها حضور في سنوات الربيع العربي. في صنعاء، كان للرقيب اسم وعنوان، والحجب نفسه رسالة مقروءة: هنا نمنعك. أما اليوم، فالجواب يصل إليك كاملاً مرتباً، ولا يخطر لك أن هناك شيئاً نقص منه.
يقول وليد السقاف إن المادة التي تغذّت عليها هذه البرامج تميل إلى المصادر الغربية، الموسوعات الكبرى وويكيبيديا ونسخ ضخمة من صفحات الإنترنت تُجمع آلياً، وأشهرها "كومون كرول" (Common Crawl).
ولذلك، حين تسأل عن فلسطين، يغلب على الجواب الإطار الغربي. خذ مثلاً صحيفة لا تشترك إلا بوكالة أنباء واحدة. محرروها لا يبدّلون كلمة مما يصل إليهم، ويقولون إنهم محايدون لهذا السبب. غير أن صفحتها الخارجية تحمل أحكام الوكالة، ومن ذلك: أي حدث يستحق خبراً؟ وبأي كلمة يُسمّى القتيل؟ هذا جزء من خط تحريري يتسرب، وإن لم يُكتب في ورقة.
من يملك البيانات من دون قدرة الحوسبة يبقَ معتمداً على منصات خارجية
نسأله: إن دربنا النموذج على أن فلسطين واقعة تحت احتلال استعماري إسرائيلي، فهل يعكس هذا الإطار؟ قال إن ذلك ممكن ضمن حدود، بيد أن تحت هذا مستويات أساسية ومرشحات سلامة.
لنأخذ المقاربة التالية: حين يقترب السؤال من المقاومة المسلحة أو من العنف، يميل البرنامج إلى منع تبنّيه أو تحويل الجواب بعيداً منه. والمرشح نفسه، يضيف السقاف، هو الذي يعمل في الأسئلة المتعلقة بصناعة القنابل واغتيال الأشخاص. مقاومة شعب تحت الاحتلال قد تقع، في تصميم الأداة، داخل الخانة التي تضم تصنيع المتفجرات. ليس هذا رأياً أبداه البرنامج، إنه حدّ وُضع له قبل أن تسأله.
والحدود التي تُوضع للكلام ليست مسألة نظرية. عرفها وليد السقاف في بيته قبل أن يدرسها. والده أسّس "يمن تايمز"، أول صحيفة مستقلة باللغة الإنكليزية في الجمهورية اليمنية، وأطلق موقعها الإلكتروني سنة 1997، وكان من أوائل المواقع الإخبارية الوطنية الناطقة بالإنكليزية في المنطقة. وبصفته الابن الأكبر، كان يساعده في الصيف، مرة في الترجمة، ومرة في إدارة الشبكات.
اختُطف الأب من منزله وسُجن في عهد صالح بسبب كتاباته الصحافية، واشتهر بمحاربة الفساد بالكلمة. في منتصف عام 1999، صدمته سيارة وهو يعبر أحد شوارع صنعاء. يقول السقاف إن السلطات اليمنية لم تتعامل مع الأدلة المتاحة كما ينبغي، حتى آثار السيارة في موقع الحادث لم تُحفظ ولم تُفحص. أُعلن الحادث عرضياً، فطالبت العائلة بإعادة التحقيق ثم انسحبت. تسلّم الابن العمل في اليوم التالي للوفاة، ثم ذهب إلى جامعة كاليفورنيا في ديفيس لنيل الماجستير في الهندسة، فقطعته وفاة الأم المفاجئة بعد شهور وعاد مطلع 2001.
وبعد نحو أربع سنوات، سلّم الصحيفة رسمياً لشقيقته نادية، فصارت أول رئيسة تحرير لصحيفة يمنية كبرى، ومضى هو إلى واشنطن محرّراً في مكتب "وول ستريت جورنال" ضمن زمالة ألفرد فريندلي سنة 2005. اليوم يحكي وليد السقاف عن تجربة أجراها مع طلابه في الدوحة. طرح عليهم أسئلة تخصّ الواقع العربي، ثم طرحها هي نفسها على الأداة، فجاءت الإجابات مختلفة في اتجاهها.
الأداة تنفع في ترتيب الأسماء والبحث عن الكلمات وتنظيم المادة. وحين يتعلق الأمر بقرار له سياق أخلاقي أو ثقافي أو سياسي، تظهر المسألة على حقيقتها. ولهذا يعترض حين يقال إن هذه البرامج تفهم. هي نماذج توقّعية، تقدّر الكلمة التالية في الجملة وتبني الجواب على سلسلة احتمالات.
ثم يأتي الطرح الذي يقدمه الصحافي العربي في هذه اللحظة "فلنصنع نموذجنا إذاً". وهنا يغلق السقاف الباب ويقول إنه لا توجد حتى الآن، بحسب علمه، أسس لتقنيات ذكاء اصطناعي توليدي نشأت بالكامل من داخل العالم العربي، وإن معظم المتاح مأخوذ من الغرب وقع تكييفه بدرجات متفاوتة. وكثير من العقول العربية تعمل هناك، وما لم تعد إلى المنطقة فاللحاق صعب. المال في جهة، والناس في جهة أخرى، يقول.
والنموذج يحتاج قدرة حوسبة هائلة، وتدريباً وتشغيلاً لا ينقطعان. وإنّ من يملك البيانات من دون هذه القدرة يبقى معتمداً على منصات وشركات تملكها في مكان آخر، وهو الذي يرسم الفارق بين واجهة عربية وسيادة تقنية. بعض المحاولات العربية، كما يُلاحظ، تنطلق من نموذج غربي مع تعديلات وإضافات منها البعد الثقافي العربي، وبعضها يبدأ من الصفر، فيتدرب على بيانات عربية. والمشترك بينها أن البنية التقنية نفسها، وهي التي تجعل النموذج نموذجاً، وُضعت هناك وتُستعمل هنا في الحالتين.
سألناه أيضاً عما إن كنا أمام ذكاء عربي واحد أو ذكاءات متعددة، فأجاب بأن لكل نموذج سياساته وطريقة بنائه. توجد نماذج عربية ومشاريع وطنية متفرقة، من فنار في قطر، إلى علّام في السعودية، وجيس في الإمارات.
غير أن وجود النموذج لا يحسم السؤال الذي يطرحه السقاف، ومفاده "من أين جاءت البيانات؟ ومن يحدد حدوده السياسية والأخلاقية؟". نموذج يعلن مصادره ويقبل المساءلة شيء، وآخر يبدّل الرواية ويترك الصمت في مكانه شيء ثانٍ. وما يطلبه السقاف من النموذج، هو ما تمرّن عليه هو طَوال عمله، أي أن يكون للجواب طريق يُمشى إلى الوراء. في عام 2006 سافر إلى السويد لماجستير في الصحافة الدولية بمنحة كاملة. لم تشترط الجامعة شهادة سابقة في الصحافة، فقدّم كتاباته المحلية والعالمية دليلاً على الخبرة.
وبدل رسالة نصية، حوّل بحث تخرّجه إلى مشروع حول موقع يمن بورتال؛ إذ يجمع الأخبار من المواقع اليمنية ويضع التغطيات المتشابهة بعضها قرب بعض، ليظهر ما تتفق عليه المصادر وما تختلف فيه. وهذا الموقع هو الذي حُجب سنة 2008.
ثم صار "الكاسر" نفسه موضوع الدكتوراه بين 2011 و2014، أشرف عليها أستاذ في هندسة علوم المعلومات وآخر في علوم الإعلام، وحملت عنوان Breaking Digital Firewalls: Analyzing Internet Censorship and Circumvention in the Arab World (اختراق الجدران النارية الرقمية: تحليل الرقابة على الإنترنت وسبل تجاوزها في العالم العربي).
وقبل ذلك كله، تعلّم ما يسمى الاستخبارات مفتوحة المصدر (OSINT). لا يبدأ الصحافي هنا من جواب جاهز، بل من أثر، كأن يكون صورة مثلاً يفحص ما في ملفها من وقت الالتقاط ونوع الكاميرا، وموقع يحدده من إحداثياته، وميزانية دولة أو مؤسسة يعثر عليها داخل ملف بي دي إف عبر بحث متقدم.
التقنية بالنسبة إليه طريق يعود به الصحافي إلى المصدر، وهذه بالضبط المسافة التي تفصله عن النموذج اللغوي، إذ يعطيك خلاصة مرتبة، ولا يريك من أين جاء بها ولا ما الذي تركه خارجها. يبقى الصحافي أمام أداة يستعملها كل يوم. يقول وليد السقاف إن المسؤولية تقع عليه وعلى المؤسسة معاً، وإن على كل مؤسسة أن تضع سياسة للإفصاح، حيث يعرف القارئ موضع الأداة في المادة، ويبقى الخطأ على عُهدة من وقّعها.
في المقررات التي يدرّسها بمعهد الدوحة للدراسات العليا، اقترب التوجه في البداية من منع الطلاب من استعمال هذه الأدوات، ثم وجدوه غير واقعي، فانتقلوا إلى سماح مشروط في حالات محددة وإفصاح، مع تجديد السياسة دورياً، لأن الأدوات تتغير بسرعة.
أما في التدريب، فيطلب من طلابه أمرين: أولهما تفكيك المقال إلى ادعاءات، ثم فحص كل ادعاء على حدة، هل هو صحيح، وما مصدره؟ لأن الأداة قد "تهلوس" فتعطي رقماً أو اسماً لا وجود له. الثاني أصعب، وهو يقوم على البحث عن النقطة العمياء. نص محكم لا تعثر فيه على خطأ، لأن ما ينقصه ليس موجوداً فيه حتى تصطدم به.
مثلاً، مادة عن هدم الاحتلال منزلاً فلسطينياً، تحمل قرار المحكمة وتصريح الناطق العسكري، والإجراءات القانونية المتبعة، ولكن لا أحد فيها من أهل البيت. مادة مشغولة من دون ضحايا يعكرون الكلام المصقول. لهذا لا يطلب ضيفنا من طلابه محاربة الذكاء الاصطناعي، ولا التسليم له، بل أن يعيدوا إليه ما سحبه من يدهم، وأن يدركوا أن النقطة العمياء أخطر بكثير من حجب الرواية على طريقة الرقيب القديم.
النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.
المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗