27 تشرين الأول 2026 من نحناتصل بناالسياق مرئيأخبار قصيرةخاص بالسياقمصادرناالنشرة البريديةRSS
الخبر في سياقه
طقس بغداد: جارٍ التحديثأسعار الصرف المرجعية: جارٍ التحديث
عاجل
🔗 /si/31650

لماذا نحن حزانى؟

لم أشعر بالسعادة مرةً إلا باغتني الحزن من كل الأبواب. تنفتح الأبواب جميعها على حين غرّة، فيدخل الحزن ويتسرّب إليّ.

لو أسرعت واختبأت في الخزانة، لوجدته في ملابسي. ولو حاولت الاختباء خلف السرير، لوجدته في الزاوية ينتظرني، مبتسماً، ويقول: "تعالي، لقد انتظرتكِ طويلاً". حتى إنني لم أعد أتجرأ على الإحساس بالسعادة، ونسيت طعمها ورائحتها.

إذا ما أتتني بطريقة ما، قلت لها: "أرجوكِ، ابتعدي، لن أقع في الفخ هذه المرّة".

الآن، بينما أفترش الأرض، وأشعر برغبة كبيرة في البكاء، أقول لنفسي: "لقد ارتكبتِ خطأً فادحاً، فقد فرحتِ البارحة". إنني أدفع الثمن الآن؛ إذ يعتريني الغثيان، وأشعر بخدر في أطرافي وثقل في رأسي.

هل يروّضنا الحزن؟ هل يمسك بأذننا كلما أخطأنا وتجرأنا على الفرح، ويقول: "إنها المرّة الأخيرة، وإلا قضيتُ عليكِ"؟

ما الذي أوصلنا إلى هنا، إلى أن ننظر إلى السعادة وكأنها منطقة محظورة علينا الابتعاد عنها؟

ما الذي أوصلنا إلى هنا، إلى أن ننظر إلى السعادة وكأنها منطقة محظورة علينا الابتعاد عنها؟

هل نفرض قيوداً على أنفسنا، يا تُرى، فنبني قضباناً غير مرئية حولنا وحول مشاعرنا، ثم نشيّد جدراناً، ونضع باباً، ثم قفلاً نخلق له مفتاحاً، ونغلقه؟

أخاف أن يشعر سواي بهذا الشعور، وأخشى أن يسجن نفسه في زنزانة وهمية، ويغدو حبيساً إلى الأبد.

ولا أعرف مَن المخطئ: أنا أم البلد أم المجتمع؟ أكثر ما أخشاه أن أكون أنا نفسي مَن أوقعتُ نفسي في هذا المأزق. أحياناً، نكون ضحايا أنفسنا. فمن فرط اعتيادنا الاضطهاد والظلم، نفرض عقوبات معيّنة على أنفسنا، وكأننا لم نعد نعرف كيف نعيش بحرية، ولو للحظات.

أم أن الحزن بريء لا ذنب له؟ أفكّر في الأسباب التي أوصلتني إلى هذا المكان الموحل. هل كانت الأعمال التي عملت فيها محاولةً مني لأن أكون مثالية، فأضطلع بمهام أكثر مما يُفترض بي؟ أم أن الحكاية بدأت في الطريق، حين أجد قطة جائعة لا مأوى لها، فأشعر بالذنب كلما أحسست بشيء من السعادة، وأتساءل: كيف لي أن أفرح وتلك القطة وحيدة وجائعة في الطريق؟

أم أن الأمر أعمق بكثير، يا تُرى؟ هل يعود إلى طفولتي، حين كنت أحاول أن أكون مثالية إلى أبعد الحدود، كي أتمكن من رؤية والدتي؟

أم بدأ حين كنت أجدّ في الدراسة، في ظروف لا تسمح بالدراسة أصلاً، لأحصل على أعلى العلامات، فيفتخر بي والدي ويبتسم لي؟

لطالما حاولت إرضاء من حولي، حتى نسيت نفسي. ربما كان هذا ما جعلني أعتاد الحزن، إلى أن صرت أشعر بأنني أخونه إذا أحسست بسعادة عابرة

لطالما حاولت إرضاء من حولي، حتى نسيت نفسي. ربما كان هذا ما جعلني أعتاد الحزن، إلى أن صرت أشعر بأنني أخونه إذا أحسست بسعادة عابرة. ثم ينهال عليّ بأضعاف ما شعرت به من فرح، فأعتذر له وأعده بألا أفرح مرة أخرى. ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد؛ إذ أشعر بالذنب وأؤنّب ذاتي، وكأنني ارتكبت خطيئة بالفعل.

كانت الأسباب المحتملة كثيرة، لا تُحصى، لكنها غيّرتني وحوّلتني إلى شخص يخاف السعادة ويبتعد عنها.

لا يمكنني الآن أن أحمّل الحزن المسكين كامل المسؤولية؛ فقد كان لي دور في ما حدث، لا بد من ذلك. لكن المعضلة تكمن حين يسألني أحدهم عن سبب حزني الدائم: كيف يمكنني أن أشرح له كل هذه الأسباب المحتملة؟ وهل سأل أحدٌ نفسه يوماً: لماذا أنا حزين؟

النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.

المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗

أخبار ذات صلة

أبرز الأخبار في بريدك

اشترك لتصلك أهم الأخبار والتقارير.