بين لولا وبولسونارو... من تختار البرازيل اليوم؟
يصوّت البرازيليون، اليوم الأحد، في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية هذا العام، والتي يتنافس فيها الرئيس الحالي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، وفلافيو بولسونارو، نجل الرئيس السابق جايير بولسونارو، الخاضع للحبس المنزلي بعد إدانته بمحاولة الانقلاب على نتائج انتخابات الرئاسة في البرازيل بعام 2022. وبعدما تقدّم فلافيو على لولا في الدورة الأولى، التي جرت في 4 أكتوبر/تشرين الأول الحالي، من دون بلوغ نسبة الحسم (50%)، شهدت الفترة ما بين الجولتين تكثيف لولا حملته الانتخابية، ومناظرتين بين المتنافسين، تمحورتا حول برنامجهما الرئاسي، وساهمتا في تقليص لولا الفارق في استطلاعات الرأي عن منافسه اليميني المتطرف، فيما أظهر استطلاع أخيراً تعادلهما للمرة الأولى منذ الجولة الأولى.
وتكمن أهمية انتخابات البرازيل اليوم، في ما ستتركه من أثر في الداخل البرازيلي، وعلى مستوى علاقات هذا البلد الخارجية، وحتى في ما ستحمله من رسم للخريطة السياسية في أميركا اللاتينية، المائلة إلى اليمين واليمين المتطرف، وما يؤمنه ذلك من تعزيز للهيمنة الأميركية في المنطقة. فضلاً عن أن انتخابات البرازيل اليوم ستكون على الأرجح الأخيرة التي يوجد فيها اسم لولا (يبلغ 81 عاماً الثلاثاء المقبل) على بطاقة اقتراع في البرازيل، هو الذي طبع المشهد البرازيلي لسنوات طويلة، وأسّس لرصيد وإرث يساريين على المستوى السياسي والاجتماعي والاقتصادي تسعى عائلة بولسونارو، التي تواصل صعودها في الحياة السياسية البرازيلية وتطغى على المشهد اليميني فيها رغم الملاحقات القضائية وسجن الأب وفضائح الفساد، إلى محوهما بدعم واضح وصريح من إدارة دونالد ترامب.
هناك خشية من أن تذهب عائلة بولسونارو إذا ما وصلت إلى الحكم، بعيداً، في تشريع أبواب البلاد أمام النفوذ والتدخل الأميركيين
معركة مصيرية في البرازيل
ولذلك، تبدو المعركة الرئاسية في البرازيل، اليوم، والتي تكرس انقساماً داخلياً شديداً، مصيرية، ليس فقط لمستقبل السياسات الاجتماعية التي تمسّ حياة ملايين البرازيليين، بل لأثرها على كل دول أميركا اللاتينية، وعلى تكتل الجنوب، ومستقبل مجموعة "بريكس" الاقتصادية، بكل ما تحمله من قوة سياسية واقتصادية عالمية، وعلى القضايا العربية وخصوصاً الفلسطينية، في ضوء تجارب مماثلة لفوز اليمين في أكثر من بلد لاتيني. كما أن البرازيل، بما تمثله من ثقل اقتصادي، وتحتويه من ثروات معدنية نادرة، تبقى عرضة لمطامع ترامب وواشنطن، وسط خشية من أن تذهب عائلة بولسونارو إذا ما وصلت إلى الحكم، بعيداً، في تشريع البلاد أمام النفوذ والتدخل الأميركيين.
وكان فلافيو تصدّر الجولة الأولى للانتخابات بنحو 47.03% مقابل 45.16% للولا، لكن استطلاعين جديدين لتوجهات الناخبين نشرا يوم الخميس الماضي، أظهرا تغيراً تمثل في انحسار تقدم بولسونارو الابن على لولا، بفارق أضيق مما سجل في الجولة السابقة، بينما سجل استطلاع لمركز "داتافولا"، وهو ذو مصداقية عالية، تعادلاً بين المرشحين بنسبة 50% لكل منهما بالأصوات الصحيحة (قال المركز إن 6% من الناخبين لم يحسموا أمرهم بعد). ويفسّر المحلل السياسي البرازيلي علي فرحات ذلك، في حديث لـ"العربي الجديد"، بتأثير النشاط المكثف لحملة لولا لتحريك الكتلة التصويتية التي قاطعت الجولة الأولى وتجاوز عددها نحو 33 مليون ناخب، إضافة إلى تأثير قضايا فساد جديدة لفلافيو وأدائه المستفز في المناظرتين مع لولا، وانتفاض أنصار لولا أنفسهم في الشارع.
من الرسوم إلى المعادن الحرجة
ومن شأن فوز لولا أن يضمن مواصلة البرازيل سياستها الخارجية التي تقوم على تنويع الشراكات والتعاون مع الجنوب العالمي، مع إبقاء دور الدولة في الاستثمار والحماية الاجتماعية، وهو برنامج استمر خلال فترات لولا الرئاسية الثلاث. أما فوز فلافيو فسيفتح الباب لتقارب أوثق مع واشنطن وتل أبيب، ولتوجه اقتصادي أميل إلى تقليص دور الحكومة في الاقتصاد، والعدالة الاجتماعية، ما يفتح الباب لتوتر مجتمعي كما حدث في الأرجنتين وكولومبيا والبيرو.
يقدم فلافيو معادن البرازيل النادرة لواشنطن كحل لكسر اعتمادها على الصين في هذا المجال
ويتضمن برنامجا المرشحين، موقفاً من الولايات المتحدة يحمل رؤيتين مختلفتين. فالرئيس الأميركي دونالد ترامب أيدّ عائلة بولسونارو بـ"خشونة". ففي يوليو/تموز 2025 زادت واشنطن رسوماً جمركية لتصل لـ50% على صادرات برازيلية، ردّاً على ملاحقة جايير بولسونارو قضائياً، وعاقبت القاضي ألكسندر دي مورايس الذي تولى القضية. وفي صيف 2026 أضافت رسوماً جديدة بنسبة 25% اتهم لولا عائلة بولسونارو بتحريض ترامب على فرضها للتأثير على نتائج الانتخابات.
كان فلافيو قد التقى ترامب في مايو/أيار الماضي وتعهد أمامه بانضمام البرازيل إلى مبادرة درع الأميركيتين تحت قيادة الأخير، إن فاز في الانتخابات البرازيلية، وطلب من واشنطن تصنيف أكبر منظمتين إجراميتين في البرازيل جماعتين إرهابيتين، وهي خطوة عارضها لولا لأنها تفتح الباب واسعاً لتدخلات أمنية وعسكرية أميركية في البلاد، كما فعلت الولايات المتحدة في فنزويلا وتفعل حالياً في الكاريبي بحجة محاربة تجار المخدرات.
ترامب لا يعجبه التوجه اليساري المستقل للولا، خصوصاً تطويره نظام الدفع "بيكس" في المعاملات المالية من دون رسوم، والذي حرم الشركات الأميركية مثل فيزا وماستركارد من تحصيل نحو سبعة مليارات دولار أميركي رسوماً من الدفع عبرها بالبرازيل، وهو نظام يعمل تحت سيطرة المصرف المركزي البرازيلي ولا يملكه أحد، وتجاوزت عمليات الدفع عبره مئات المليارات من العمليات.
ويتجسد التنافس الأعمق في المعادن النادرة التي تملكها البرازيل بنحو 21 مليون طن أو 23% من الاحتياطي العالمي، ويقدمه فلافيو لواشنطن كحل لكسر اعتمادها على الصين في هذا المجال. أما لولا فيبدي انفتاحاً على الاستثمار الأجنبي بشرط أن تتم المعالجة داخل البرازيل، وحذّر مرات عدة من أطماع ترامب في نفط بلاده ومعادنها.
السياسة الخارجية
يقوم برنامج لولا على سياسة خارجية مستقلة، تعمق الشراكات مع مجموعات بريكس والجنوب العالمي ومجموعة العشرين، أما فلافيو فيدعو إلى تقارب أكبر مع الولايات المتحدة وإسرائيل والغرب، ويتعهد بالتفاوض مع الجميع من الصين إلى الاتحاد الأوروبي، وينتقد توجه "بريكس" والتبادل التجاري بعيداً عن الدولار، ويدافع عن حرب إدارة ترامب على إيران وتدخل الولايات المتحدة العسكري في فنزويلا الذي انتهى بالقبض على الرئيس السابق نيكولاس مادورو، في حين تدين حكومة لولا هذا التوجه.
الموقف من إسرائيل والعالم العربي
الفجوة بين برنامجي لولا وفلافيو في الملف العربي الإسرائيلي واضحة جداً، فقد بلغت العلاقات البرازيلية مع إسرائيل في عهد لولا أدنى مستوى لها منذ عقود، بسبب حرب الإبادة الإسرائيلية في غزة التي وصفها لولا بـ"المحرقة". وتدهورت العلاقات بين البلدين بسحب سفيريهما من كلا العاصمتين.
في المقابل، تعهد فلافيو بنقل السفارة البرازيلية من تل أبيب إلى القدس والانضمام إلى اتفاقات أبراهام، ولذلك حظي بدعم علني ومشاركة من رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو بالفيديو في مؤتمر إعلان حملته الانتخابية في يوليو الماضي، واتصل به بعد الجولة الأولى من الانتخابات ودعاه إلى زيارة إسرائيل.
الاقتصاد والدين والفوائد والخيارات المؤجلة
ارتفع حجم الدين الإجمالي البرازيلي أكثر من 10 نقاط مئوية في ولاية لولا الحالية، ليبلغ 82.9% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما بلغ معدل النمو نحو 2.9% سنوياً بين 2023 و2025، وانخفضت البطالة إلى 5.6% في 2025. هذا الأداء كان في إطار ظروف دولية غير مواتية وارتفاع نسبة الفائدة، ويدافع لولا عن الإبقاء على الإطار المالي القائم، مستهدفاً فائضاً أولياً فعلياً بنحو 1.3% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2030، ويقول إن مشكلة الدين الكبرى هي الفائدة. أما فلافيو فتعهد بتحسين الرصيد الأولي بنحو 1.5% من الناتج خلال 18 شهراً، وأكد في 16 أكتوبر الحالي أنه سيحقق فائضاً بنحو 200 مليار ريال (40 مليارا وحوالي 300 مليون دولار أميركي) دون المساس بالإنفاق الاجتماعي، ويقترح أيضاً قاعدة مالية جديدة ترتبط بمسار الدين، وتقليص الوزارات والوظائف الإدارية، وخفض الضرائب.
لكن محللين يرون أن الحملتين التزمتا بإجراءات مقبولة شعبياً وتجنبتا الإصلاحات الهيكلية الصعبة، ومع أن الفوائد طويلة الأجل تراجعت منذ فوز فلافيو في الجولة الأولى، فإن شهية الأسواق ليست برنامجاً مالياً.
تجارب اليمين بأميركا اللاتينية
وبالنظر إلى الصورة الأوسع في تجربة اليمين في أميركا اللاتينية المتقارب للغاية في السياسات والمواقف والوضع الاجتماعي والسياسي، يمكن توقع ما قد يحدث في البرازيل بحال فوز فلافيو. ففي الأرجنتين (يترأسها اليميني الشعبوي خافيير ميلي)، ارتفعت معدلات الفقر من 28.2% إلى 32.3% في النصف الأول من 2026، والسبب أن دخل الفرد ارتفع 11.5% بينما زادت كلفة سلة الغذاء الأساسية لقرابة 20%، وتتوقع جامعة الأرجنتين الكاثوليكية أن يصل المعدل إلى 35% بنهاية العام الحالي، إضافة إلى فشل الأداء الاقتصادي الذريع لميلي، مع تقارب شديد مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وخروج من محكمة العدل الدولية.
بينما في تشيلي، التي فاز فيها خوسيه أنطونيو كاست بـ58.16% من الأصوات في ديسمبر/كانون الأول 2025 وتسلم الحكم في 11 مارس/آذار 2026 وتعهد بخفض الإنفاق ستة مليارات دولار، فقد تراجعت شعبيته من 57% إلى 38%، بحسب تقرير لخدمة أبحاث الكونغرس الأميركي، والرجل يحكم بلا أغلبية في البرلمان.
أما في الإكوادور، فرفض الناخبون في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 مقترحاً للسماح بوجود قواعد عسكرية أجنبية، في هزيمة كبيرة للرئيس اليميني دانيال نوبوا، بينما كانت معدلات جرائم القتل تتجه إلى رقم قياسي، فالأمن يمنح الشرعية، لكنه لا يمنح تفويضاً مفتوحاً.
خريطة السلطة المتوقعة
بعد الجولة الأولى من الانتخابات في 4 أكتوبر الحالي قفز تمثيل الحزب الليبرالي اليميني بزعامة بولسونارو من 98 إلى 121 مقعداً في مجلس النواب البرازيلي المكون من 512 مقعدا، ومن 12 إلى 28 مقعداً في مجلس الشيوخ، المكون من 82 مقعداً، ليصبح الأكبر عددا في المجلسين. ولو فاز لولا اليوم، فسيواجه برلماناً يسيطر عليه اليمين ومجلس شيوخ فيه عدد كاف من الأعضاء لعزل قضاة المحكمة العليا، القوة القانونية الضاربة في البلاد وتعيين آخرين ينتمون إلى اليمين، وسيحظى فلافيو حتى إن خسر ببيئة تشريعية توفر له مناكفة الرئيس اليساري، وإن كان الأمر سيخضع لمن ينجح في جذب أحزاب الوسط، صانعة الملوك في البرلمان، وهي كتلة تنتظر من يعطيها مكاسب أكثر.
إذا فاز لولا، سيواجه برلماناً يسيطر عليه اليمين ومجلس شيوخ فيه عدد كاف من الأعضاء لعزل قضاة المحكمة العليا
أما إذا فاز فلافيو، فأمامه اختبار تحويل التقارب مع واشنطن وتل أبيب والوعود بخفض الإنفاق إلى مكاسب قابلة للقياس، وتطبيق نموذج اليمين اللاتيني الجديد تحت سيطرة الولايات المتحدة، هذا إذا أفلت من الإدانة في الاتهامات القريبة منه ووضع اسمه على رادارها، بالفساد وغسل الأموال في القضيتين اللتين تحقق فيهما المحكمة الفيدرالية العليا حاليا، وهما قضية فضيحة بنكو ماستر التي تبلغ خسائرها نحو عشرة مليارات دولار أميركي، والمراهنات التي تبلغ قيمتها نحو مليار دولار أميركي.
النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.
المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗