28 تشرين الأول 2026 من نحناتصل بناالسياق مرئيأخبار قصيرةخاص بالسياقمصادرناالنشرة البريديةRSS
الخبر في سياقه
طقس بغداد: جارٍ التحديثأسعار الصرف المرجعية: جارٍ التحديث
الأخبار العاجلة
عاجلآخر التطورات من السياق الإخبارية
🔗 /si/28775

الاحتجاجات الفرنسية وعزل العنف عن أسبابه

بسبب ضغط المديونيّة المتراكمة على الدولة الفرنسية، والتي تتجاوز، حسب التقارير، 113% من الناتج المحلي الإجمالي، وبتأثير الظروف الخارجية المتلاحقة الضاغطة على الاقتصاد الأوروبي عموماً، بدءاً من جائحة كوفيد 19 وما رتبت على الدولة من أعباء، إلى حرب أوكرانيا وما نتج عنها من أزمة استبدال الغاز الروسي، إلى الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران وما نتج عنها من نقص في إمداد الوقود بسبب إغلاق مضيق هرمز، يعاني الاقتصاد الفرنسي الذي لم يكن بخير أصلاً قبل هذا كلّه، اندلعت حركة السترات الصفراء في 2018، عقب ارتفاع أسعار المحروقات، ولم تتوقف إلا بسبب الجائحة.

نتيجة ذلك، بدأت مكاسب الفرنسيين (صحّة، تعليم، تقاعد، سكن، ضمان اجتماعي... إلخ) بالتآكل. هذه بيئة انفجار اجتماعي، لعبت فيها احتجاجات طلاب المدارس في منتصف الشهر الماضي (سبتمبر/ أيلول) دور صاعق تفجير أشعل الشارع الفرنسي الذي لا يهدأ والذي يحمي حقوقه ومكتسباته بيديه من دون الركون فقط إلى آليات التمثيل الديموقراطي المتعددة. الشعب الفرنسي من أكثر الشعوب حيوية في العالم، إنه يعطي الدرس الجوهري الذي يقول إنّ الديمقراطية ليست نظاماً نبنيه وننام في ظله، بل فاعلية وحضور في الشارع ووقوف دائم عند المصالح المباشرة للمحكومين، وإلّا سوف يتّجه النظام السياسي، مهما يكن، بآلية ذاتية إلى التضييق على الناس بالفقر ومحاصرتهم وأكل حقوقهم.

لم يكن الاحتجاج الحالي مفاجئاً. في العام الماضي (2025)، وفي سبتمبر/ أيلول أيضاً، تحرّك الطلاب في فرنسا للأسباب نفسها التي دفعتهم اليوم لبدء الاحتجاج. من نقص معلمين وموظفين في المدارس إلى اكتظاظ الصفوف وطول مدة الدوام المدرسي وسوء ظروف المدارس وتفاوت جودة التعليم بين المناطق، فضلاً عن الشكوى من برنامج القبول الجامعي المسمّى (parcoursup). كانت فرنسا تمرّ حينها بمرحلة عدم استقرار حكومي، فقد كانت الحكومات تتساقط واحدةً تلو الأخرى على طريق سعيها إلى خفض الإنفاق العام. سقطت حكومة ميشيل بارنييه بحجب الثقة، بعد حوالى ثلاثة أشهر من تشكيلها، تلتها حكومة فرانسوا بايرو الذي استقال أيضاً بعد تسعة أشهر لأنه لم يستطع كسب ثقة البرلمان بشأن خطته لخفض الإنفاق العام. وقد اندلعت تلك الاحتجاجات الطلابية بعد يوم من تقديمه الاستقالة. كانت الاستجابة للمطالب حينها طفيفة، ولذلك كان من المتوقع استئناف الاحتجاجات، وهو ما جرى.

في الاحتجاجات أخيراً، كان مستوى العنف لافتاً، وربما غير مسبوق، وكانت ذروة التخريب فيها حرق مبنى بلدية ليموج المسجل ضمن المعالم التاريخية الفرنسية. كان مشهد الحريق مؤلماً، وكذلك تكسير الواجهات والممتلكات العامة والخاصة. وإذا كان يمكن نسب هذا العنف إلى مشاعر الغضب الناجم عن التطنيش الحكومي وعدم الاستجابة، وإلى فكرة احتجاجية لها رواج في أوروبا ويتبناها تيار يسمى "Black Block"، مؤداها أن الحكومات لا تستجيب ما لم تتألم، ولا تتألم إلا بعنف الاحتجاج، فإن أعمال النهب الواسع المرافقة للاحتجاج لا تُفهم إلا أعمال حثالة تستغل الحال لتحقيق مكاسب شخصية، ولا يمكن نسب هذه الأعمال إلى الاحتجاج نفسه.

أعمال النهب الواسع المرافقة للاحتجاج لا تُفهم إلا أعمال حثالة تستغل الحال لتحقيق مكاسب شخصية

النقاش الذي يتكرّر في فرنسا حيال حركات الاحتجاج التي يتخللها العنف، وهي كثيرة، يتناول السؤال: لماذا العنف؟ كثير من الفرنسيين يتخذون موقفاً سلبياً من حركات الاحتجاج بسبب العنف المرافق لها، ولا سيّما أنّ هناك حثالة يستغلون العنف للقيام بأعمال نهب بشعة، ولذلك يميل هؤلاء إلى سياسة تعزيز قوة الشرطة وتفويضها بسلطات أوسع، رغم الاعتراف بمشروعية المطالب. وفي المقابل، يقول كثيرون: إذا كانت المطالب مشروعة، لماذا لا تتجاوب السلطات وتبادر إلى معالجة مخاوف الناس وانشغالاتها وتلبي المطالب، بدلاً من الدخول في مواجهة مع المحتجين، بطريقة تزيد من الميول العنفية للاحتجاج.

هكذا، رغم اجتماع الغالبية العظمى من الفرنسيين على مشروعية المطالب وعلى رفض العنف، يتولد حيال الاحتجاجات موقفان مختلفان تماماً. الخلاف يكمن في تشكيل الموقف أو في زاوية النظر، هناك من يركّز على العنف بحد ذاته، ويبحث عن وسيلة بوليسية لمنع أعمال العنف (زيادة عدد الشرطة وتحسين تجهيزاتهم وتوسيع تفويضهم)، وهناك من يدعو إلى معالجة أسباب الاحتجاج ومنع ما يفاقم الاحتجاج ويدفعه إلى العنف. ينظر الموقف الأول إلى الاحتجاج من موقع السلطة، حتى لو جاء من خارج السلطة، هذا موقف اليمين الفرنسي عموماً، وهو ما يمكن تلخصيه بعزل العنف عن أسبابه، وقد عبّر الرئيس ماركون في كلمته المتلفزة عقب الاحتجاجات أخيراً عن هذا الاتجاه بوضوح، حين قال: "لا شيء يبرّر العنف ولا شيء يفسّره ولا شيء يعذره"، وكأنّ العنف كائن كريه يهبط على الأرض من خارجها. يقود هذا المنطق بطبيعة الحال إلى مسار قمعي مضاد للديموقراطية.

الموقف الآخر، ينظر إلى الاحتجاج من موقع المحتجين، يرفض العنف بحدة رفض الأولين له، وربما أكثر، ولكنه يبحث عن تدارك العنف من خلال معالجة أسبابه الرئيسية، ويجد أن التطنيش الحكومي والمماطلة في الاستجابة وفي بحث المطالب، تزيد في الميل العنيف للمحتجين، ولا سيما أنهم بأعمار صغيرة تميل إلى النزق والعنف.

يستخدم اليمين صورة العنف لبث الرعب وكسب ناخبين، على اعتبار أنه يرفع راية الأمن

الانتخابات الرئاسية في فرنسا على بعد ستة أشهر، وهذا يعطي أهمية إضافية للاحتجاجات الحالية بوصفها من المؤثرات الهامة في الانتخابات المقبلة. يستخدم اليمين صورة العنف لبث الرعب وكسب ناخبين، على اعتبار أنه يرفع راية الأمن. وصل الأمر إلى أن مرشّحة اليمين المتطرف للرئاسة، مارين لوبان، تحذّر الفرنسيين من أن هؤلاء السارقين سيهاجمونكم في بيوتكم. وتلتقي الحكومة الحالية مع اليمين الفرنسي في السعي إلى تحميل حركة فرنسا الأبية (LFI) مسؤولية العنف لعرقلة صعود مرشّحها إلى الرئاسة، جان لوك ميلانشون، الذي أيد الاحتجاجات وشارك في مظاهرة في باريس، واتهم الحكومة بالسماح في تفاقم الأزمة بدلاً من احتوائها. ومن الطريف أن لوبان، في الوقت العصيب الذي تمر به فرنسا، تأخذ أيضاً على ميلانشون أنه يخاطب رئيس الحكومة مستخدماً صيغة المفرد (Tu) بدلاً من الجمع (Vous).

مواجهة عنف الشارع المحتج بالعنف الحكومي (البوليس)، من دون معالجة أسبابه السياسية ودوافعه، لا يقود إلى "فرنسا هادئة"، بحسب عبارة مارين لوبان، إنما يؤسّس لفرنسا متفجرة بالأحرى. وبحسب عبارة متداولة في فرنسا، منسوبة إلى لاهوتيّ فرنسي من القرن السابع عشر: "لكن الله يستهزئ بالصلاة التي نرفعها إليه لدرء المصائب العامة، عندما لا نقاوم ما يُفعل لجذبها".

النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.

المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗

أخبار ذات صلة

أبرز الأخبار في بريدك

اشترك لتصلك أهم الأخبار والتقارير.