آلية وطنية لإنهاء تشغيل الأطفال في المغرب
يراهن المغرب على تحقيق نقلة نوعية في جهود مكافحة تشغيل الأطفال من خلال إطلاق الآلية الوطنية للقضاء على تشغيل الأطفال التي توفر تكفلاً شاملاً بكل طفل معني، بدءاً من تحديد وضعه الحالي، ثم سحبه من سوق العمل، وصولاً إلى إعادة إدماجه مجتمعياً، مع توفير مواكبة ودعم مخصّصين لأسرته.
وتعد عمالة الأطفال انتهاكاً صريحاً لحقوقهم الأساسية في التعليم والحماية والنمو التي تكفلها الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل
نص اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل 1989
اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل، اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في 20 نوفمبر/ تشرين الثاني 1989، وتضم 54 مادة، وقد حظيت بأكبر عدد من المصادقات في التاريخ.
وألهمت الاتفاقية الحكومات لتغيير قوانينها وسياساتها وتخصيص استثمارات كي يتمكن عدد أكبر من الأطفال من الحصول على ما يحتاجونه من رعاية صحية وتغذية ليتمكنوا من البقاء والنماء التي صادق عليها المغرب، ورغم التراجع الكبير الذي عرفته الظاهرة خلال العقود الثلاثة الأخيرة، فإنها لا تزال تشكل تحدياً قائماً، إذ ينخرط نحو 103 آلاف طفل في أنشطة اقتصادية مختلفة، وتفيد معطيات البحث الوطني للمندوبية السامية للتخطيط حول الشغل لسنة 2025، بأن 1,3% من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 7 و17 سنة يعملون، وتبلغ النسبة 2,4% في الوسط القروي، مقابل 0,5% في الوسط الحضري.
وكشف المرصد الوطني لحقوق الطفل أنّ الآلية الوطنية الجديدة تعزز التنسيق بين مختلف الفاعلين في سياق مكافحة عمالة الأطفال، وأنها تستجيب لأبرز أوجه القصور التي تعرفها الآليات القائمة، ولا سيما من خلال ضمان استمرارية سلسلة التدخل، واعتماد استهداف قطاعي ومجالي، إضافة إلى إحداث ملف فردي لكل طفل، وتوفير دعم اقتصادي للأسرة. وهي ترتكز على دعامتَين، تتمثلان في اليقظة المستمرة والتدخل الفردي، ويستند التدخل إلى خلايا محاربة تشغيل الأطفال على المستوى الإقليمي، إلى جانب الجمعيات المتعاقدة المكلفة بتنفيذ التدخلات والإجراءات الميدانية.
وحسب المرصد، يتدخل 17 فاعلاً على ثلاثة مستويات في تنفيذ الآلية، ويشمل ذلك مستويات الاستراتيجي والترابي والدعم التقني. على المستوى الاستراتيجي، يرأس المرصد الوطني لحقوق الطفل لجنة القيادة، فيما تترأس وزارة الإدماج الاقتصادي والتشغيل اللجنة التقنية، وعلى المستوى الترابي، يترأس عامل الإقليم اللجنة الإقليمية لتتبع المنظومة الوطنية للقضاء على تشغيل الأطفال، بمشاركة خلايا محاربة تشغيل الأطفال وجمعيات المجتمع المدني.
أما بخصوص الدعم التقني، فيشمل تدخلات جهات عدة من بينها رئاسة النيابة العامة، والمبادرة الوطنية للتنمية البشرية، ووزارة التربية الوطنية والتعليم، ووزارة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة، والوكالة الوطنية للدعم الاجتماعي، والوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات، وقطاع التكوين المهني، والمندوبية السامية للتخطيط، واللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، فضلاً عن منظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسف"، ومنظمة العمل الدولية. عمالة الأطفال ظاهرة في المغرب، أكتوبر 2024 (Getty)
وسيتم تنفيذ الآلية الجديدة عبر ثلاثة مراحل متتالية، أولها المرحلة التجريبية، ثم مرحلة للتعديل والتحسين استناداً إلى نتائج التقييم، تليها مرحلة التعميم على المستوى الوطني. وتواكب الآلية خمسة محاور عمل تتمثل في الوقاية في الوسط المدرسي، وتوعية الرأي العام والفاعلين المحليين، وتعبئة المشغلين، والترافع، إضافة إلى قياس النتائج وتتبعها.
وترى رئيسة منظمة "ما تقيش ولدي" (لا تلمس ولدي) نجاة أنوار، أن "الآلية الوطنية خطوة مهمة لحماية الطفولة المغربية، خصوصاً في ظل وجود نحو 103 آلاف طفل يشتغلون، وهو رقم مقلق يستدعي تدخلات جدية"، وتوضح لـ"العربي الجديد" أن "نجاح هذه الآلية لا يمكن أن يقاس بعدد الأطفال الذين سيتم سحبهم من سوق العمل، بل بقدرتها على ضمان عودتهم إلى المدرسة، وحمايتهم من الاستغلال، ومنع عودتهم إلى العمل من جديد".
وتؤكد أنوار على "ضرورة معالجة الأسباب الحقيقية لتشغيل الأطفال، وعلى رأسها الفقر والهشاشة، والاضطرار إلى الانقطاع عن الدراسة، ويستلزم ذلك دعم الأسر اقتصادياً واجتماعياً، لأن بعض الأطفال يضطرون إلى العمل لمساعدة أسرهم على توفير سبل العيش، مع ضرورة تشديد الرقابة على الجهات التي تستغل الأطفال، وتطبيق القانون بصرامة، مع ضمان المواكبة النفسية والاجتماعية وإعادة الإدماج المدرسي".
وتضيف: "ينبغي إشراك المجتمع المدني في تنفيذ هذه الآلية، وفي تتبع نتائجها على أرض الواقع، فسحب الطفل من سوق العمل من دون معالجة ظروف أسرته المعيشية قد يعيده إلى دائرة الاستغلال من جديد. لا نريد فقط إخراج الأطفال من سوق العمل، بل نريد ضمان ألّا يعودوا إليه، فمكان الطفل الطبيعي هو المدرسة، وليس سوق العمل".
قضايا وناس التحديثات الحية
عمالة الأطفال: 138 مليون صغير يكدحون في ظروف قاسية وخطرة
وواجه المغرب خلال السنوات الماضية ظاهرة عمالة الأطفال بجدية من خلال تحسين ترسانته القانونية للحدّ منها، وجعلها أكثر ملاءمة لمعايير العمل الدولية، وتحسين ظروف عمل الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 16 و18 سنة من خلال منعهم من ممارسة أشغال تعرّض صحتهم وسلامتهم للخطر، كما نُفذت استراتيجيات لتقوية الإطار القانوني، وتكثيف تدخّل جهاز تفتيش الشغل، ودعم مشاريع الجمعيات التي تحارب ظاهرة عمالة الأطفال، وتعزيز التعاون الدولي في هذا المجال".
ورغم الجهود التي بذلتها السلطات، وعلى رأسها المرصد الوطني لحقوق الطفل، وكثير من الجمعيات المدنية، لا تزال عمالة الأطفال تمثّل أزمة حقيقية في المغرب. وأفاد استطلاع رأي نفذه المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، وشارك فيه 1540 شخصاً، ونشر في الأول من يوليو/تموز الماضي، بأن 78% من المستطلعين يرون أن تشغيل الأطفال لا يزال ظاهرة منتشرة، وأكد 39% أن الظاهرة تنتشر في شكل كبير، بينما اعتبر 21% فقط أن انتشارها محدود.
النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.
المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗