الإنتاج أميركي والسعر عالمي.. حدود الهيمنة على الطاقة
تنتج الولايات المتحدة نفطاً أكثر من أي دولة أخرى في العالم، وتصدّر الخام والوقود بكميات قياسية. ومع ذلك، يدفع الأميركي اليوم نحو 4.29 دولارات لغالون البنزين، وفق رابطة السيارات الأميركية (AAA). أما الديزل، فسجل في سبتمبر/ أيلول أعلى سعر اسمي منذ بدء تسجيله عام 1994. هذه المفارقة هي محور تحليل نشره رون بوسو، كاتب العمود في وكالة رويترز، السبت. ويرى فيه أن شعار "الهيمنة على الطاقة"، الذي يرفعه الرئيس دونالد ترامب، اصطدم بحقيقة بسيطة: الإنتاج أميركي، لكن السعر عالمي.
تعمق أكثر
إنتاج قياسي.. وأسعار قياسية
تتوقع إدارة معلومات الطاقة الأميركية (EIA) أن يبلغ إنتاج الخام نحو 13.9 مليون برميل يومياً في 2026، ارتفاعاً من 13.7 مليوناً العام الماضي. لكن ذلك لم يمنع سعر غالون الديزل من بلوغ 6.29 دولارات منتصف سبتمبر، وهو أعلى مستوى اسمي في سلسلة بيانات الإدارة. وتقدر أداة لتتبع كلفة الحرب أعدتها جامعة براون (Brown University) أن المستهلكين الأميركيين دفعوا نحو 100 مليار دولار إضافية على الطاقة، بين تاريخ بدء الحرب على إيران في 28 فبراير/ شباط ومطلع سبتمبر/ أيلول.
السبب الأول بسيط: البرميل المستخرج في تكساس أو نيو مكسيكو لا يسعر بمعزل عن العالم. فحين تعطل الحرب الشحن في مضيق هرمز، أو تضرب المسيرات الأوكرانية المصافي الروسية، ينكمش المعروض العالمي، فيرتفع ثمن البرميل أينما كان. وقد عاد خام برنت هذا الأسبوع إلى أكثر من 114 دولاراً. ولا مصلحة للمنتج الأميركي في البيع محلياً بأقل مما يحصل عليه في الخارج. لذلك يدفع المستهلك في أوهايو السعر الذي تحدده السوق الدولية، حتى لو خرج البرميل من أرض أميركية.
الديزل يكشف المفارقة
وتظهر المشكلة بأوضح صورها في الديزل. فبحسب إدارة معلومات الطاقة، تراجع إنتاج المصافي في روسيا والصين والشرق الأوسط، فحدث نقص عالمي في هذا الوقود، وارتفع الطلب على الصادرات الأميركية.
وبلغ إنتاج نواتج التقطير الأميركية، وأبرزها الديزل، 5.1 ملايين برميل يومياً في المتوسط بين يناير/ كانون الثاني وأغسطس/ آب، وهو الأعلى منذ 2019. ومع ذلك، كانت المخزونات في منتصف سبتمبر/ أيلول أقل بنحو 13% من متوسط السنوات الخمس، لأن جزءاً كبيراً من الإنتاج يذهب إلى التصدير.
وهنا المفارقة الثانية: كلما ارتفع السعر العالمي، صار التصدير أكثر ربحاً. ولذلك لا يتحول الإنتاج القياسي إلى وقود رخيص في المحطات المحلية. ولأن الديزل يشغل الشاحنات والجرارات وقطارات الشحن، ينتقل ارتفاعه سريعاً إلى كلفة نقل الغذاء والسلع.
عنق الزجاجة في المصافي
إنتاج الخام نصف القصة فقط، فالنفط لا يصل إلى خزان السيارة قبل تكريره. وقد عملت المصافي الأميركية بأكثر من 95% من طاقتها بين مايو/ أيار وسبتمبر/ أيلول، وهي أعلى نسبة لهذه الأشهر منذ 1998، وفق تقرير لإدارة معلومات الطاقة صدر يوم الخميس.
لكن طاقة التكرير الإجمالية أقل بنحو 4% من مستواها في 2019. أي أن القطاع يعمل قرب حده الأقصى، ولا يملك هامشاً يُذكر لامتصاص أي صدمة.
وظهر ذلك الجمعة، حين أجازت وزارة الطاقة الأميركية سحب ما يصل إلى 400 ألف برميل من الاحتياطي البترولي الاستراتيجي، لتعويض اضطراب في إمدادات الخام إلى مصفاة شركة فيليبس 66 (Phillips 66) في ليك تشارلز بولاية لويزيانا.
ولجأت الإدارة الأميركية إلى قانون الإنتاج الدفاعي، الذي يعود إلى زمن الحرب الكورية، لدعم الإنتاج والتكرير. فقد أصدر ترامب في إبريل/ نيسان قراراً رئاسياً بموجب القانون. ثم أعلن نائب الرئيس جي دي فانس هذا الشهر استخدامه لتوسيع مصفاة تابعة لشركة ديليك (Delek) في تكساس.
غير أن بناء طاقة تكرير جديدة يستغرق سنوات. أما السحب من الاحتياطي، فيعالج اختناقات محلية مؤقتة، ولا يفصل السوق الأميركية عن السوق العالمية.
حدود "الهيمنة" على الطاقة
لا يعني ذلك أن الإنتاج الضخم بلا قيمة. فهو يمنح الولايات المتحدة وظائف وعائدات تصدير ونفوذاً جيوسياسياً، ويحميها من الانقطاع الفعلي للإمدادات. لكن الحماية من نقص البراميل شيء، والحماية من ارتفاع ثمنها شيء آخر.
وتتوقع إدارة معلومات الطاقة أن يبلغ متوسط سعر برنت 105 دولارات في الربع الأخير من العام. ويعني ذلك أن المستهلك الأميركي لن يرى انفراجاً قريباً في محطة الوقود. ففي سوق مترابطة، قد تكون الولايات المتحدة أكبر منتج للنفط، لكنها لا تستطيع أن تجعل محطاتها جزيرة معزولة عن العالم.
النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.
المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗