24 تشرين الأول 2026 من نحناتصل بناالسياق مرئيأخبار قصيرةخاص بالسياقمصادرناالنشرة البريديةRSS
الخبر في سياقه
طقس بغداد: جارٍ التحديثأسعار الصرف المرجعية: جارٍ التحديث
عاجل
🔗 /si/27409

اختفاء المواطن العادي

ما من مكان تبقّى للمواطن اللبناني العادي. المواطن الذي لا سند له للحصول على حقوقه إلّا قوانين لم يعد أحد يعمل بها، اللهم إلا لمن له "ظهر". لقد اختفى تدريجياً، من عقل أولئك الذين استولوا على السلطة لعقود، وتالياً، من مخيّلة المواطنين العاديين أنفسهم، خصوصاً بعد فشلهم المُتكرّر في إصلاح نظامهم المُتحوّل لصالح الأغنياء ومافيات السلطة.

في الشكل، أوضح ما يتمثّل هذا الحال في الشارع. ففي هذا الفضاء العام، اختفت شيئاً فشيئاً الفسحة المُخصّصة للمواطن العادي، أي المشاة، وهو الأعزل من أيّ سيارة أو دراجة، نارية كانت أم هوائية. لم يعد هناك مكان للمُشاة في شوارع العاصمة اللبنانية، ومن يصرّ بعناد مثلي على المشي، لا بُدّ له من المغامرة، بمزاجه أولاً، وبحياته ثانياً من دون أيّ مبالغة.

على الرصيف، بل كلّ الأرصفة، زحمة دراجات نارية متوقّفة بطريقة عشوائية لا تترك حتى ولو ممرّاً بينها يُتيح المرور إلى فسحة أمان! تضطر للنزول عشرات المرات إلى الأسفلت، وحين تحاول العودة إلى الرصيف، تُفاجأ بأنّ السيارات التي ركنت بمحاذاته سدّت أيّ إمكانية لذلك.

هكذا، تشعر وأنت تنظر إلى تلك السيارات المركونة، واحدة لصق الأخرى، كطوق يحيط بالرصيف المُحتل بدوره بالدراجات المركونة فوقه. وهؤلاء المواطنون أصحاب تلك الآليات يوضّحون للمشاة مثلنا أنّهم لا يتصوّرون أنّنا موجودون أصلاً. وإن كنّا موجودين؟ فما المانع، في عقولهم، من أن نتشارك، والسيارات، والدراجات، رقصة الفوضى القاتلة على الأسفلت.

عندما لا تكون هناك قوّة للقانون، يُلغى تلقائياً كلّ حساب لمن لا يملكون سوى القانون درعاً حامياً

أمّا الدولة، أقصد مؤسساتها كوزارة الداخلية والبلديات وما إلى ذلك، فلقد اختفينا من مخيلتها. فحين لا تكون هناك قوّة للقانون، يُلغى تلقائياً كلّ حساب لمن لا يملكون سوى القانون درعاً حامياً.

في حادثة الصدم التي تعرّضت لها منذ أسبوعين، خفّ شرطي السير إلى مكان الحادث لينظّم محضراً، بإيعاز من "غرفة العمليات الأمنية" التي شاهدت الحادثة على شاشات كاميرات المراقبة. لكن الشرطي نفسه، أو إدارته، لم يهتما لسنوات بتلك المُخالفة المرئية بوضوح، والتي كانت السبب في الحادثة. أقصد فوضى الدراجات النارية، فيقومون بإخلاء الرصيف منها وتغريم أصحابها المُخالفين. لقد أصبح المشهد الخارج عن القانون "طبيعياً" حتى للشرطي، ما فاقم المشكلة حتى صار المشي أو حتى القيادة في الشارع مخاطرة كبيرة.

هكذا، لم يعد مُستغرباً أن يقف الدركي على تقاطع من أصل عشرين في المدينة، ينظّم سير السيارات. أقصد السيارات فقط، وحدها. هو غير معني بالمُشاة، ولو كانوا يعبرون تحت أنفه مباشرة، مُشيراً، كما حصل معي مرّات عدّة، الى السيارات المتوقّفة بأن تُتابع سيرها في اللحظة نفسها التي أجتاز فيها الشارع!

أصبح المشهد الخارج عن القانون "طبيعياً" حتى للشرطي

أمّا الدراجات النارية، فهي تبدو في حرية حركتها وعشوائيتها كما لو كانت بالنسبة له نوعاً من حشرات هائمة في الهواء، تطوف في كلّ اتجاه، من دون خوذة أو بأربعة ركاب من دون أيّ خُوذ، وحتى من دون أرقام لوحات.

تفد الدراجة من خطّ سير أشار له الشرطي بالتوقّف وتتابع سيرها بين المشاة الذين يعبرون، أو تنعطف من جهة متوقفّة إلى جهة أخرى تحت أنفه. عادي. ربّما يبدو هذا العدد المُتكاثر من الدراجات للشرطي نوعاً من ذباب ضخم يزنّ حول رأسه، مُخالفاً بكلّ الأشكال المتوفّرة في السوق قانون السير. يكشّه أحياناً بلامبالاة، وقد لا يكشّه أصلاً، مُستسلماً لهذا الفالس العشوائي الذي يجري أمام عينيه كما لو كان يتفرّج على التلفزيون. فالبلد فلتان، قد يقول في عقله. وقد يتعاطف معهم، فالدولة مُفلسة والناس مُفلسون، ولهذا تكاثرت الدراجات.

كلّ ما هو بحاجة لمراقبة أو تفتيش أو صيانة، من حجر أو بشر، يُترك حتى "يهرّ". من الصعب ألا تفكّر أنّ كلّ هذا، ربّما يكون ولو بجزء منه مقصوداً.

الوضع ميؤوس منه. هكذا تبدو البلاد بنظر الجميع، مواطنين ومسؤولين. ربّما لهذا، لم تقم البلدية، المشهورة بنهبها ميزانية المدينة مجلساً بعد مجلس ومن دون محاسبة جدية، بإعادة تغطية فتحات تمديدات البنية التحتية من هاتف أو سيول أو مجارير، على الأرصفة، والتي نُهبت أغطيتها الحديدية الثقيلة في السنوات الأخيرة، ولا تزال تُنهب، تاركةً حُفر التمديدات المكشوفة فخاً مُحكماً لأيّ مواطن يغامر بالمشي من دون النظر تحت قدميه. هذا من دون الحديث عن البراغي المزروعة في حجارة الأرصفة والمُتخلّفة عن خيم النازحين أو المقاهي التي احتلت تلك الأرصفة كاملة، بطاولاتها وكراسيها. وحين تقول لهم إنّ عليهم ترك فسحة على الأقلّ للمُشاة كي لا يضطروا للمشي بين السيارات في الشارع، يهزّون أكتافهم قائلين: لدينا رخصة من البلدية! كما لو أنّ الرخصة ترخّص لهم احتلال الرصيف بكامله، عكس ما تنصّ عليه القوانين.

الوضع ميؤوسٌ منه. هكذا تبدو البلاد في نظر الجميع، مواطنين ومسؤولين

كلّ هذا لا يستفزّ المواطن العادي، أو لنقل لم يعد الأمر يستفزّه. هل اعتاد المشهد؟ لا أعتقد، حتى لو ظن أنّه كذلك. فالاعتياد على الخطأ مستحيل عندما تصطدم بنتائجه يومياً. لكنه لم يعد يشعر بجدوى فعل أيّ شيء. لا تظاهرات ولا احتجاجات حتى عندما تكون البلاد كلّها في خطر وجودي كما هو واقع اليوم.

فالمواطنون العاديون، وهم الأكثرية الساحقة، والذين من واجبهم تصويب أداء السلطات حين تخطئ، كما يفعل الشعب الفرنسي مثلًا هذه الأيام، لا يزالون مذهولين بما حصل وما زال يحدث لهم.

مذهولون بمدى وقاحة هذه السلطة ولامبالاتها بالناس. لا بل فجورها المُستهتر بكلّ حقوقهم عليها، كما لو أنّها مُطمئنة إلى وجومهم من دون الإتيان بأيّ تصرّف للدفاع عن أنفسهم: من سرقتها أموالهم بأشهر عملية احتيال في القرن، إلى تنازلها بسرعة لا تُصدّق عن كلّ حقوقهم، إن كان أمام لوبي المصارف أو مافيا البنزين، أو حتى أمام العدو الإسرائيلي الذي تدّعي أنّها تفاوضه في حين أنّها لا تفعل إلا تلبية أوامره المُتعجرفة وهو يتابع قتل اللبنانيين وتدمير بيوتهم وأرزاقهم واحتلال أراضيهم. عدو، يبادلها تلك التنازلات المُهينة والمُذلِّة بالاحتقار.

النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.

المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗

أخبار ذات صلة

أبرز الأخبار في بريدك

اشترك لتصلك أهم الأخبار والتقارير.