24 تشرين الأول 2026 من نحناتصل بناالسياق مرئيأخبار قصيرةخاص بالسياقمصادرناالنشرة البريديةRSS
الخبر في سياقه
طقس بغداد: جارٍ التحديثأسعار الصرف المرجعية: جارٍ التحديث
عاجل
🔗 /si/27109

قانون الجرائم المعلوماتية في العراق: تهديد لحرية التعبير؟

يثير مشروع قانون الجرائم المعلوماتية في العراق مخاوف من ملاحقة الصحافيين والناشطين بسبب آرائهم وانتقاداتهم للسلطات. وبين مكافحة الابتزاز والتهديد الإلكتروني وضمان حرية التعبير، يبقى التحدي في صياغة قانون يمنع التجاوزات من دون أن يتحول إلى أداة لتقييد الحريات.

يخيف التوجه في العراق نحو تشريع قانون مكافحة جرائم المعلومات صحافيين ومدونين وناشطين من إمكانية استخدام بعض مواده لملاحقة المنتقدين للسلطات، أو المتابعين لملفات الفساد والجريمة، خصوصاً مع استمرار الخلاف بشأن تعريف الجرائم الإلكترونية وحدود حرية التعبير، في مقابل مساعٍ رسمية لإقرار تشريع ينظم مكافحة الابتزاز والاختراق والتهديدات الرقمية.

في هذا السياق، أعلن رئيس مجلس النواب العراقي هيبت الحلبوسي، الاثنين الماضي، التوصل إلى اتفاق بشأن المضي في تشريع القانون بعد التشاور مع رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ورئيس مجلس القضاء الأعلى، مؤكداً ضرورة حماية حرية الرأي والتعبير تزامناً مع مواجهة الجرائم الإلكترونية. وسبق للبرلمان أن أنهى القراءة الأولى للمقترح في يوليو/تموز الماضي، قبل أن تتواصل مناقشاته داخل اللجان النيابية بمشاركة جهات قضائية وأمنية وقانونية، وسط مطالبات بتعديل الصياغات التي قد تسمح بتفسيرات واسعة للنصوص العقابية.

يقول أستاذ كلية الإعلام في الجامعة العراقية، علاء نجاح نوري، لـ"العربي الجديد"، إن المشكلة الأساسية لا تكمن في تجريم الأفعال المرتكبة باستخدام التقنيات الحديثة، وإنما في مدى دقة النصوص التي تحدد الأفعال المستوجبة للعقاب. ويميز نوري بين جرائم إلكترونية واضحة، مثل الابتزاز والاختراق وسرقة البيانات والتهديد، وبين منشورات تتضمن نقداً سياسياً أو آراء مخالفة لتوجهات جهات معينة. ويحذر من أن استخدام مصطلحات فضفاضة في تعريف الجرائم والعقوبات يمنح الجهات المعنية بتطبيق القانون مجالاً واسعاً للاجتهاد، وقد يؤدي إلى اعتبار ممارسات مشروعة أفعالاً جرمية. ويشدد نوري على ضرورة الفصل بين النقد السياسي، حتى لو كان حاداً، وبين التهديد والتشهير المتعمد والابتزاز، إذ يتطلب تجريم هذه الأفعال توافر الأركان القانونية المحددة لكل جريمة. ويرى أن سلامة التشريع تتطلب إجراءات أساسية، تبدأ بتحديد الأفعال المحظورة بدقة، وتجنب العبارات العامة مثل الإضرار بالمصلحة العامة أو المساس بالقيم أو الإخلال بالأمن العام. أما المتطلبات الأخرى، فتشمل حماية الرأي السياسي، ولا سيما الأصوات المنتقدة للسياسات الحكومية والكاشفة للفساد، وتعزيز الضمانات القضائية، وإشراك الصحافيين والمنظمات المختصة في مراجعة المشروع. ويعتبر أن المعيار الحقيقي لسلامة القانون يتمثل في احترام مبدأ الشرعية الجنائية ووضوح الأفعال المجرمة وتناسب العقوبات معها، بما يمنع التوسع في تفسير النصوص على حساب الحقوق والحريات.

لكن المخاوف من القانون لا تقتصر على صياغاته القانونية، إذ يثير ناشطون تساؤلات بشأن إمكانية تطبيقه تطبيقاً متساوياً على المواطنين والجهات السياسية التي تقف وراء حملات التحريض والتهديد الإلكتروني. وتكررت محاولات تشريع القانون خلال دورات نيابية متعاقبة، وسط اعتراضات على تداعياته المحتملة على حرية التعبير في الفضاء الإلكتروني، ومخاوف من توظيفه لتقييد الانتقادات الموجهة إلى القوى السياسية. ولا يقتصر التأثير المحتمل للقانون على مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي، إذ يمتد إلى المؤسسات الصحافية الإلكترونية والمنصات الإعلامية التي تنشر الأخبار والآراء والتحقيقات، بما يثير تساؤلات بشأن حدود العمل الصحافي وحرية النشر. وتكمن إحدى المشكلات في استخدام تعبيرات عامة، مثل المساس بالأمن العام وأمن المجتمع والمعتقدات الدينية والأمن القومي، وهي مفاهيم تتيح مساحة واسعة للاجتهاد في تحديد الأفعال التي تستوجب العقاب، الأمر الذي يثير مخاوف من تفاوت تطبيق النصوص القانونية. ويبرز أيضاً تساؤل بشأن الجيوش الإلكترونية المرتبطة بأحزاب وجهات سياسية، ومدى قدرة التشريع على ملاحقة الأطراف التي تمول شبكات التحريض والتهديد، ومحاسبة الجهات المنظمة لهذه الأنشطة، بدلاً من الاقتصار على الأفراد الذين ينفذونها.

وتستهدف بعض حملات التخويف صحافيين وناشطين وأصحاب مواقف سياسية معارضة، عبر اتهامات بالارتباط بجهات أجنبية أو العمل لمصلحة منظمات دولية، من دون تقديم أدلة كافية تثبت صحة تلك المزاعم. وقد يكون للتحريض الصادر عن شخصيات سياسية أو حملات منظمة تأثير يتجاوز ما تحدثه منشورات فردية على مواقع التواصل الاجتماعي، ما يجعل المساواة أمام القانون ضرورة تقتضي إخضاع مختلف الأطراف للمساءلة، بصرف النظر عن انتماءاتها السياسية أو مواقعها. وتقدم التصريحات الطائفية الصادرة خلال الحملات الانتخابية أمثلة على خطاب يستدعي المساءلة وفق معايير موحدة، بما يضمن تطبيق القانون على الجميع، ويحول دون استثناء أصحاب النفوذ من المحاسبة.

وتتركز المخاوف الأساسية في احتمال استخدام القانون انتقائياً ضد الأصوات المنتقدة، مقابل إفلات جهات أكثر نفوذاً من المساءلة عن التحريض والتهديد الإلكتروني، ما يضع عدالة التطبيق وضمانات حرية التعبير في صلب النقاش بشأن التشريع. وتبرز مخاوف أخرى تتعلق بالصحافة الاستقصائية ونشر المعلومات المرتبطة بالفساد وأداء المؤسسات الحكومية، في حال لم تتضمن النسخة النهائية من القانون ضمانات واضحة للعمل الإعلامي.

ويرى الصحافي يحيى الشرع أن المعيار الأهم في تقييم التشريع هو مدى قدرته على حماية الصحافيين من الملاحقة بسبب ممارستهم عملهم المهني، وليس مجرد النص على مكافحة الجرائم الإلكترونية. ويشير الشرع إلى أن غياب الفصل الواضح بين النشر الصحافي المشروع والأفعال المجرمة قد يجعل نشر بعض المعلومات المتعلقة بالشأن العام سبباً للمساءلة القانونية. وقد يدفع ذلك، بحسب الشرع، صحافيين ومؤسسات إعلامية إلى تجنب تناول ملفات الفساد أو انتقاد أداء الجهات الحكومية خشية الملاحقة، حتى عندما تكون المواد المنشورة مرتبطة بالمصلحة العامة. ويؤكد أن مكافحة الابتزاز والاختراق والتهديد الإلكتروني لا تتعارض مع حماية حرية الصحافة، لكنها تستلزم نصوصاً تفصل بين الجريمة والعمل الإعلامي المشروع، وتوفر ضمانات صريحة لحماية الصحافيين ومصادر معلوماتهم. في المقابل، تؤكد الجهات النيابية المعنية ضرورة استكمال التشريع لمعالجة الجرائم المرتكبة باستخدام التقنيات الحديثة، ولا سيما الاعتداء على البيانات الشخصية والأنظمة المعلوماتية والابتزاز الإلكتروني.

في السياق، شهد مجلس النواب، في الثامن عشر من أكتوبر/تشرين الأول الحالي، ورشة تخصصية بمشاركة لجنة الأمن والدفاع وممثلين عن مؤسسات قضائية وأمنية وقانونية، خصصت لمناقشة المقترح والملاحظات المقدمة بشأن مواده. وشددت نقابة المحامين خلال المناقشات على أهمية توحيد المصطلحات القانونية وتحديد نطاق التجريم، بما يمنع تداخل النصوص أو تفسيرها على نحو يمس الحقوق والحريات.

تكفل المادة الثامنة والثلاثون من الدستور العراقي حرية الرأي والصحافة والنشر وفق الضوابط الدستورية، بينما تنص المادة السادسة والأربعون على عدم جواز تقييد الحقوق والحريات أو تحديد ممارستها إلا بقانون أو بناء عليه، وبما لا يمس جوهر الحق أو الحرية. ولم يحسم البرلمان بعد الصياغة النهائية للتشريع، في حين تتوقف معالجة الاعتراضات على طبيعة التعديلات التي ستدخل على تعريف الجرائم والعقوبات والضمانات القضائية. وسيكون نطاق المسؤولية عن المحتوى المنشور، وحدود مساءلة الجهات التي تمول التحريض الإلكتروني، وحماية الصحافيين من الملاحقة بسبب عملهم، من أبرز المسائل التي تحدد ما إذا كان القانون سيحقق الغرض المعلن منه من دون تقليص الحريات المكفولة دستورياً.

النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.

المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗

أخبار ذات صلة

أبرز الأخبار في بريدك

اشترك لتصلك أهم الأخبار والتقارير.