كتب الفن العربية... ذاكرة لا تصل إلى الجميع
تتاح الأعمال الفنية أمام العابرين والمشاة في مدن كثيرة حول العالم غالباً ضمن مشروع رسمي تتبناه البلديات التي تبذل مالاً كثيراً من أجل تحسين المشهدية البصرية في الشوارع والميادين العامة، وأحياناً تأتي كمحاولات فردية تنطلق من أفكار أصحابها وابتكاراتهم، مثلما تعكسه أعمال رسامة الشارع الفرنسية الشابة (الأذن L'oreille) التي تنشر تجاربها في أنحاء مدينة ستراسبورغ، عاصمة إقليم الألزاس.
يحضر هنا سؤال دائم حول إمكانية أن تصل المعروضات إلى أوسع شريحة من الجمهور العربي، وحتى أولئك الذين يعيشون في مناطق بعيدة. قدمت شبكة الإنترنت جزءاً من الإجابة، لكنها لم تعالج مشكلة غياب الذاكرة البصرية التي تمنح مشاهدة العمل الفني عمقها الثقافي، وتتيح للجمهور متابعة التجارب الفنية والعودة إليها.
دمشق 1999
في أحد صباحات ربيع عام 1999، وجد الدمشقيون أنفسهم أمام محاولة مختلفة للإجابة عن هذا السؤال، حين رأوا جزءاً كبيراً من اللوحات الإعلانية في شوارع مدينتهم ممتلئاً بصور كبيرة لأعمال أبرز الفنانين التشكيليين السوريين، بامتداد يجمع الرواد مع الشباب. مبادرة خرجت عن السياق اليومي المعتاد تحت عنوان "الفن للجميع"، وكان وراءها الشاعر والمصمم السوري الراحل سعد الله مقصود. ورغم البهجة التي أضافها الحدث على المشهد العام، إلا أن بعض الأوساط الثقافية لم ترتح للخطوة، بحجة أن تمويل المشروع يقوم على مساهمة شركات تنتج مواد استهلاكية، وأن ذلك يقلل من قيمة الفن، ويجعله مادة مساعدة للإعلان التجاري.
فعلياً لم يكن من السهل إقناع الفاعلين في المشهد الثقافي بأهمية الخطوة في بلد كانت الجهات الرسمية تسيطر فيه على آليات إنتاج الثقافة والفنون التشكيلية. ربما لهذا لم تتكرر التجربة، رغم الطموحات الكبيرة التي بنيت عليها، ولا سيما منها تقديم أعمال الفنانين السوريين في كتب مطبوعة بالشكل اللائق، ولم يبق منها سوى عنوانها اللافت، وكتاب جميل جداً وكبير الحجم جمع فيه مقصود أعمال الفنان التشكيلي لؤي كيالي، طُبع وفق أحدث مواصفات الطباعة الملونة عالية الدقة.
لا يمكن تقديم هذه الخدمة بشكل عمومي حتى في الدول المتقدمة
جاء مشروع "الفن للجميع" محاولةً لمد جسر بين صُنّاع الفن التشكيلي وجمهور قد لا يعرف بوجود هؤلاء الفنانين، ولم تتح له فرصة مشاهدة أعمالهم، غير أن هذه الاجتهادات في خلق مساحات تتيح اللوحة أمام الجمهور، لا تلغي المسارات الأصلية التي يجب الاشتغال عليها، وأولها نشر الأعمال الفنية في كتب وكتالوغات يسهل الوصول إليها من قبل المهتمين، وهذه إشكالية ظلت حاضرة في أنحاء العالم، إلى أن ظهرت محاولات جمعت بين ضرورة الحصول على طباعة راقية وتسويق لا يقتصر على النخبة القادرة على شراء الكتب مرتفعة الثمن، ويستهدف جمهوراً أوسع.
نماذج مختلفة
عند استعادة ما أُنتج في بلدان مختلفة، يتذكر المتابعون للفن التشكيلي تلك المجلدات الكبيرة التي كانت تصدرها دار النشر السوفييتية الحكومية "إيسكوستفو"، إلى جانب دار الفنان السوفييتي ودار أركادي البولندية ودور النشر الألمانية الشرقية. كان هذا المسعى يموَّل من خزائن الدول المحكومة بأنظمة اشتراكية، وانتقلت بعض ملامح هذه التجربة إلى الدول العربية التي حاولت اتباع نماذج اقتصادية مشابهة، وتبنّت أساليب قريبة في دعم النشر الفني، وفرضت نمط الترويج ذاته، ومنها وزارات الثقافة في مصر وسورية والعراق وغيرها. اتباع الأسلوب ذاته في نشر الأعمال الفنية لم يفض إلى النتائج نفسها، إذ ظهرت اللوحات بطباعة رديئة، ولم تصل هذه المنشورات إلى جمهور يتجاوز دائرة المهتمين.
تعمق أكثر
لا يمكن تقديم هذه الخدمة بشكل عمومي، حتى في الدول المتقدمة، حيث تبرز دائماً مشكلة التمويل وتقدير قيمة الكتاب ذي الطباعة المكلفة، وقد حاولت صالات العرض حل جزء من المشكلة من خلال طباعة كتالوغات لأعمال الفنانين الذين تعرض أعمالهم في معارضها، وتحميل الكلفة على أرباح بيع اللوحات، لكن هذا الحل لا يتيح للجمهور الوصول إلى الأعمال الكلاسيكية، التي تؤسس للذاكرة البصرية الفنية. ويمكن الإشارة إلى تجربة مهمة جداً هي دار تاشين الألمانية التي تأسست عام 1980، ونجحت في تحويل كتب الفن والتصوير والتصميم إلى منتجات ثقافية تصل إلى شرائح واسعة من القراء، إذ بنت عملها على تنويع الإصدارات بين الكتب الفاخرة الموجّهة إلى هواة الجمع، وأيضاً الطبعات الميسّرة، مثل سلسلة "الفن الأساسي" (Basic Art)، التي تقدّم الفنانين والمدارس الفنية في كتب مصوّرة بأسعار مخفضة، وساعدها توحيد أحجام بعض الكتب، والإنتاج بكميات كبيرة، وإعادة طباعة العناوين الناجحة، إلى جانب امتلاك شبكة توزيع دولية عبر المكتبات وقنوات البيع المختلفة، على توسيع جمهورها. ويمكن تحديد أهمية التجربة في الجمع بين جودة الإنتاج البصري واستدامة النشر وتعدد مستويات الأسعار، كي يصبح الكتاب الفني متاحاً للاقتناء والقراءة، وليس مجرد إصدار فاخر محدود التداول.
محاولات عربية قدّمتها غاليري أتاسي ودارة الفنون ودار كاف
المحاولات العربية ليست غائبة تماماً، لكنها ضعيفة. فقد حاولت "غاليري أتاسي" الدمشقية توثيق الفن التشكيلي السوري الحديث والمعاصر، وقدمت دارة الفنون في عمّان منشورات وكتالوغات رافقت معارضها وبرامجها البحثية، فيما اتجهت دار "كاف" (Kaph Books)، التي انطلقت من بيروت، إلى بناء مشروع نشر متخصص بالفنون والتصوير، يجمع بين الاهتمام بالذاكرة الفنية العربية ومواكبة التجارب المعاصرة، مع السعي للوصول إلى جمهور دولي.
تجارب تكشف إدراك مؤسسات عربية عديدة أهمية الكتاب الفني، لكن معظمها لم تتحول إلى صناعة أوسع، وتتجاوز المؤسسة أو البلد الذي انطلقت منه.
يتطلب نشر الكتاب الفني عناصر أكثر من ناشر يمتلك الذائقة والخبرة، تبدأ بالسوق المستمرة، وشبكة توزيع تصل بالكتاب من بيروت إلى دمشق وعمّان والقاهرة والدار البيضاء تتجاوز اختلاف أنظمة الاستيراد والتوزيع والقدرة الشرائية بين بلد وآخر، وإلى مكتبات تعرضه وتسوّقه، وإلى مؤسسات فنية تشتريه وتستخدمه في برامجها، وإلى سياسات تسعير تتيح تعدد الطبعات والشرائح المستهدفة.
النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.
المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗