مأساة المرضى في السودان... علاجات بالحد الأدنى وأدوية مغشوشة
يصارع مرضى السودان آلامهم وسط النقص الحادّ في الرعاية الطبية، إن لجهة المستشفيات والمراكز الطبية التي تضرّر بعضها بفعل الحرب أو تعرّض بعضها الآخر للنهب والتخريب، أو لجهة شحّ الدواء وارتفاع كلفة العلاج، ما يجبرهم على اللجوء إلى الأدوية المهرّبة والمغشوشة رغم مخاطرها.
منذ اندلاع الحرب قبل أكثر من 42 شهراً، يواجه السودانيون أزماتٍ إنسانية كارثية، وتتعرّض قطاعات خدمية مهمّة لعمليات تدمير ممنهجة، وبرز قطاع الصحة بوصفه أحد أكثر القطاعات التي طاولتها أضرار الحرب، إذ دمرت عشرات المستشفيات، وتلك التي نجت من القصف تعرّضت للتخريب والنهب، ما دفع عدداً كبيراً من العاملين في القطاع الصحي إلى النزوح، الأمر الذي ترك ملايين المرضى من دون رعاية طبية. ولم يتوقف تأثير الحرب عند قصف المستشفيات، بل تعرّضت مصانع الأدوية والمستودعات والصيدليات لعمليات تخريب واسعة شملت سرقة الأدوية وثلاجات التخزين وإتلاف المعامل، إضافة إلى قطع سلاسل الإمداد، ما أدّى إلى أزمة حادّة في الأدوية، إذ اختفت أصناف أساسية كانت تُوزّع مجاناً عبر الإمدادات الطبية الحكومية، لتظهر لاحقاً في السوق السوداء بأسعار تفوق قدرة غالبية المرضى.
وفي ظلّ الأوضاع المعقدة، تزداد المخاوف من تفاقم الأزمة الصحية نتيجة انتشار الأمراض في المناطق التي تشهد تدهوراً بيئياً خطيراً، حيث تتكاثر الحشرات الناقلة للأمراض مثل البعوض والذباب، فترتفع معدلات الإصابة بالملاريا وحمى التيفوئيد والتهابات الدم والجهاز الهضمي وأمراض أخرى مرتبطة بموسم الأمطار.
تعمق أكثر
يدير الطبيب حمد علي مركزاً صحياً بولاية النيل الأبيض (وسط)، ويقول لـ"العربي الجديد": "انهيار النظام الصحي جعل قدرة المؤسسات الطبية على الاستجابة للأمراض محدودة، ما زاد من معاناة المرضى في الولايات التي تشهد نقصاً حادّاً في الكوادر الطبية، في وقت يزداد فيه عدد المحتاجين للعلاج. ألقت الأزمة الصحية في السودان بظلالها على المصابين بالأمراض المزمنة والخطيرة، مثل الفشل الكلوي وأمراض القلب والسرطان والسكري، إذ يعاني هؤلاء من صعوبات في الحصول على جلسات العلاج والأدوية المنقذة للحياة نتيجة توقف المراكز الطبية المتخصّصة، واقتصار عمل بعضها على طاقةٍ محدودة".
ويواجه قطاع الصحة في السودان تحديات هائلة في المناطق التي شهدت عودة النازحين واللاجئين، حيث تعجز السلطات عن إعادة تأهيل المستشفيات الحكومية التي تعرضت لعمليات نهب شملت الأجهزة الطبية والمخبرية، إلى جانب النقص الحادّ في الكوادر الطبية. وأمام معادلة اكتفاء بعض المستشفيات الحكومية بتقديم رعاية طبية متدنّية، وارتفاع كلفة العلاج في المستشفيات الخاصة، يعجز آلاف المرضى عن تحمّل النفقات، ما يضطرّهم إلى تأجيل العلاج، أو التخلّي عنه بالكامل.
يقول مسؤول في وزارة الصحة الاتحادية، طلب عدم الكشف عن هويته، لـ"العربي الجديد": "الكثير من الأدوية التي كانت توفّرها الدولة عبر الإمدادات الطبية الحكومية صارت تُباع في السوق السوداء بأسعار تفوق إمكانات المرضى. رفعت الدولة يدها عن توفير العلاج، وبات القطاع الصحي المتدهور أصلاً يعمل بطريقة أقرب إلى النشاط التجاري، لذلك تفاقمت معاناة المرضى، خصوصاً ذوي الأمراض المزمنة الذين كانوا يحصلون على الأدوية بالمجان". ويؤكد المسؤول الصحي أنّ "الدولة لا تملك حالياً الإمكانات اللازمة لتوفير العلاج للمرضى أو حتى لإعادة تأهيل قطاع الصحة الذي يحتاج إلى أموال ضخمة، والميزانية العامة موجّهة نحو الإنفاق العسكري، وسيستمر الوضع على حاله إلى أن تتوقف الحرب".
وانتشرت أدوية مهرّبة من دول عدة لا تحمل علامات تجارية معروفة، ولم تمرّ عبر القنوات الرسمية للرقابة الدوائية، ورغم كثرة الشكوك حول مصدرها وصلاحيتها وجودتها، يُقبل المرضى على شرائها بسبب انخفاض أسعارها مقارنة بالأدوية المسجّلة لدى السلطات الصحية، وغياب البدائل في ظلّ النقص الحادّ الذي يشهده سوق الدواء.
يصف الصيدلي المقيم بولاية شرق دارفور (غرب)، سعيد إبراهيم، الأوضاع الصحية بالمترديّة للغاية. ويقول لـ"العربي الجديد": "يضطرّ الصيادلة إلى شراء الأدوية والعقاقير الطبية من السوق السوداء لتغطية النقص الحادّ، فيما يدخل جزء من الأدوية إلى البلاد بطرق غير قانونية، ومن دون أن يخضع لإجراءات الفحص والتسجيل، ما يثير مخاوف بشأن جودتها وسلامتها، لكن الحاجة الملحّة تُجبر المرضى على استخدامها نظراً لعدم وجود بديل".
ويحذّر مختصون من أنّ استمرار انهيار النظام الصحي، وغياب الحلول العاجلة التي توفر الحدّ الأدنى من الرعاية الطبية، وعجز السلطات عن تأهيل المستشفيات وإعادة الكوادر الطبية، وانتشار الأدوية غير الموثوقة ومجهولة المنشأ، كلّها عوامل تضاعف المخاطر الصحية على المرضى، وتهدّد بتحوّل الأمراض القابلة للعلاج إلى أسباب رئيسية للوفاة.
من ولاية شمال كردفان (وسط)، يقول الطبيب أحمد عبد الله لـ"العربي الجديد": "تُظهر الفحوص عدداً متزايداً من الأمراض، إذ ارتفعت الإصابات بالملاريا وحمى التيفوئيد والتهابات الدم، ومن المتوقع أن تزداد أعداد المرضى خلال الأيام المقبلة. خلال الأعوام الماضية، تحوّلت الملاريا إلى وباءٍ عام في كلّ أجزاء السودان بسبب تدهور البيئة وانتشار البعوض وتوقف عمليات الرش ومكافحة النواقل، وفي العام الجاري، يُتوقّع أن يزداد الخطر أكثر من المرحلة السابقة، نتيجة ارتفاع عدد العائدين من النزوح واللجوء إلى مناطقهم التي لا تتوفر فيها غالباً أيّ رعاية صحية".
ويضيف عبد الله: "بدأت تظهر أمراض غامضة في ولاية غرب كردفان، تسبّبت في وفاة عشرات الأطفال، كان آخرهم نحو 23 طفلاً توفوا في سبتمبر/ أيلول الماضي في منطقة بولاد بالريف الغربي لمحلية النهود. إمكانات المستشفيات والمراكز الصحية في كثير من المناطق ضعيفة، إذ تنعدم مختبرات إجراء الفحوص الضرورية، ما يضطرّ الأطباء، وهم عادة أطباء حديثو التخرج، إلى الاكتفاء بالتشخيص من خلال المعاينة، ووصف الدواء بناءً على الأعراض الظاهرة. هناك شكوك بشأن سلامة الأدوية، كون معظمها يدخل عبر التهريب، ويُنقل بصورة لا تُراعى فيها السلامة العامة والاحتياطات المطلوبة".
بدورها، تنبّه الصيدلانية رندا ياسر، إلى أنّ كثيراً من الأدوية المعروضة في السوق يمثل خطراً على سلامة الإنسان، بسبب عدم مطابقته المواصفات ودخوله إلى البلاد بصورة غير قانونية. وتقول لـ"العربي الجديد": "الخطير في الأمر أنّ المرضى يفضّلون شراء الأدوية المهرّبة لأنّ سعرها أقلّ من الأدوية المسجّلة، وهو ما يدفعهم إلى المخاطرة رغم أنّ معظم تلك الأدوية حقن سائلة، وهي الأكثر خطورة، بسبب تعرّضها لعوامل نقل وتخزين سيئة".
وتضيف: "تُعدّ حقن الملاريا الأكثر استخداماً حاليّاً ضمن قائمة الأدوية المهرّبة التي تدخل عبر دولة جنوب السودان قادمة من الهند. أمّا الفرق في السعر بينها وبين الحقن الأخرى، فيقترب من نصف السعر، والجرعة الكاملة لمريض الملاريا تصل إلى 145 ألف جنيه سوداني (نحو 39 دولاراً)، بينما تُباع الجرعة من الدواء غير المسجّل بنحو 70 ألفاً فقط (19 دولاراً تقريباً)".
عمل الطبيب يوسف مبارك سابقاً في الإمدادات الطبية التابعة لوزارة الصحة في إقليم دارفور، ويؤكد أنّ "الجهات المسؤولة عن متابعة الأدوية والتصديق على دخولها تغضّ النظر عن الممارسات التي حوّلت قطاع الدواء إلى سوق سوداء، لأنّها تريد لأيّ جهة أن تسدّ الفراغ الحاصل بعدما توقفت الدولة عن الإنفاق على الصحة وحوّلت الميزانية العامة للإنفاق على الحرب منذ أكثر من ثلاثة أعوام".
يضيف لـ"العربي الجديد": "لا تستطيع الدولة محاربة السوق السوداء في الوقت الراهن، ولا تستطيع سحب الأدوية المغشوشة، لأنّها سوف تجد نفسها مُجبرة على توفير الأدوية للمرضى، وهو ما لا تقوى عليه، لذلك تغضّ الطرف عن مسألة العبث في قطاع الدواء".
النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.
المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗