28 تشرين الأول 2026 من نحناتصل بناالسياق مرئيأخبار قصيرةخاص بالسياقمصادرناالنشرة البريديةRSS
الخبر في سياقه
طقس بغداد: جارٍ التحديثأسعار الصرف المرجعية: جارٍ التحديث
🔗 /si/25180

تونسيون يستثمرون قشور الرمان في العلاج والصباغة

حين تكتسي أشجار الرمان في تونس اللّون الأحمر الياقوتي وتجود بأطنان من الثمار في خريف كل عام، تتغيّر الحركة داخل القرى في مناطق عدة استعداداً للحدث الموسمي، وتتغيّر أيضاً ملامح أسطح البيوت أو باحاتها، إذ لا يكتفي التونسيون بما تجود به الأشجار من ثمار، بل يبدأ مع جنيها موسم تجفيف القشور، وهي عادة تقليدية في كل المحافظات.

تحت أشعة شمس الخريف تمتدّ على أقمشة بيضاء نظيفة قشور الرمان المقطّعة، وتُقلّب يومياً حتى تصبح جاهزة للتخزين. هذه المشاهد قد تبدو مجرّد تفاصيل عابرة، لكنها تخفي وراءها منظومة كاملة من الإنتاج والتقاليد، فخلف كل قطعة قشر شجرة نمت في حقل، وفلاح انتظر موسمه، وعادات قديمة لم تتخلَّ عنها العائلات.

تفيد إحصاءات وزارة الفلاحة بأن تونس من بين الدول العشر الأولى في إنتاج الرمان عالمياً، إذ يتجاوز إنتاجها 90 ألف طن سنوياً، وتناهز المساحات المخصّصة للرمان 10 آلاف و472 هكتاراً تضمّ نحو 4 ملايين و679 ألف شجرة. وبحسب المجمّع المهني المشترك للغلال، يتوزّع إنتاج هذه الثمار في مناطق عدة، في مقدمها قابس (جنوب شرق) التي تنتج 17,024 طناً، وبعدها باجة (17 ألف طن)، ونابل (15,365 طناً)، والقيروان (14 ألف طن). كما تشمل خريطة الإنتاج محافظات سيدي بوزيد وزغوان وسوسة وجندوبة والمنستير والمهدية وصفاقس والقصرين بنسب متفاوتة.

ويعرف سكان هذه المناطق أساليب تقليدية لتخزين الثمار أطول فترة ممكنة، مثل حفظها في جرار فخارية أو وضعها في حفر ترابية تُغطّى بقش وطين. ولا تقتصر الإفادة من الرمان على الثمار، إذ تُعدّ قشورها مهمة، واستُعملت منذ قرون في الصباغة، وفي خلطات طبية طبيعية لعلاج آلام المعدة.

تجلس فاطمة بجاوي (68 سنة) في دارها بمدينة تستور، وتقول لـ"العربي الجديد": "ليست قشور الرمان للرمي، بل رزق، وعلّمتني أمي أنّ الحبّة نأكلها والقشرة نستخدمها. عندما تجفّ نغليها ونشربها، وتكون دواء لكل ألم في البطن. إنها بركة الدار وصيدليتنا التقليدية عند الحاجة".

في ركن من سوق تستور التي تُعدّ من بين أهم مراكز إنتاج الرمان، يعصر عمران الهمامي حبّات الرمان واحدة تلو الأخرى أمام محلّه، فيما تتكدّس إلى جانبه أكياس قشور لا يرمي منها شيئاً. ويقول لـ"العربي الجديد": "يشرب الزبائن العصير ويمضون، وأجمع القشور وأفرشها في الشمس فوق سطح المنزل. حين تجفّ يأتي من يشتريها منّي، إذ يصبغ حرفي منها الخيوط، ويدبغ آخر الجلد بها، ويطلبها تجار في سوق الأعشاب. كنت أراها في البداية بلا طائل، واليوم أعرف أنّها نصف الرزق. حبة الرمان عندنا لا يضيع منها شيء، فغالبية العائلات تشرب مغلي قشر الرمان في خلطات مع الشاي لأنه مفيد لآلام المعدة، وبكميات وتركيز أخف للرضع، وهذه عادة متوارثة".

وكانت القشور ولا تزال ركناً أساسياً في عالم الحرف التقليدية التونسية، وعلى رأسها دباغة الجلود وصباغة خيوط الصوف. وعندما يدخل شخص أحد أزقّة المدابغ التقليدية، ولا سيما في المدن العتيقة، يشمّ رائحة الماضي الأصيل. هناك لا تتوقّف قشور الرمان المطحونة عن أداء دورها السحري.

يقول حرفي دباغة الجلود خالد العرفاوي (55 سنة) لـ"العربي الجديد": "الصباغة الكيميائية أرخص وأسرع، لكنها لا تملك روح المادة الطبيعية. قشور الرمان كانت ولا تزال من أبرز المواد المستعملة في دباغة الجلود في تونس، سواء الجلود التي تعدّ للديكور أو تلك التي تتحوّل إلى حقائب أو آلات موسيقية. نسلق القشور الجافة في الماء المغلي للحصول على اللون الأحمر البنّي، ما يمنح الجلد ألواناً ترابية وذهبية دافئة تدوم عشرات السنوات، ومحلول مغلي قشور الرمان الذي يخلط بالملح يُطهّر الجلد ويمنع تعفّنه ويزيد صلابته".

ويستحضر العرفاوي ذاكرة طفولته، قائلاً: "كنتُ صغيراً حين رأيتُ جدّي يجمع قشور الرمان بعد كل موسم، ولا يرمي منها شيئاً. كان ينشرها على سطح الدار تحت الشمس حتى تجفّ، ثم يدقّها ويغليها في قدر كبير من النحاس على نار هادئة، فيتحوّل الماء إلى لون أصفر داكن يميل إلى بني. كان يقول لي القشرة لا تُصبغ الخيط بسرعة، بل بصبر، وكان يغمر الصوف أو الحرير في هذا السائل ساعات طويلة، ويقلّب بين حين وآخر بعود خشب، ثم يُضيف قليلاً من الشبّ حتى يثبت اللون ولا يزول مع الغسيل. حين كان يُخرج الخيوط ويعلّقها على الحبال كانت تتلألأ بدرجات من الأصفر الذهبي والزيتوني، ولا تتشابه خصلتان منها تماماً، وهذا ما كان يمنح الأقمشة المنسوجة تدرجات مختلفة".

ويضيف: "لم نكن نعرف صبغات المصانع في تلك الأيام، كانت الأرض تعطينا ما نحتاجه، ونساء اليوم يُحافظن على عادة دباغة الجلود بقشر الرمان في البيوت. من هنا يمثل موسم جني الرمان في تونس فرصة للاستثمار، وبين تدبير النساء في المنازل ومهارة الحرفيين في الورشات، تحافظ كثير من العائلات على عادة تجفيف قشور الرمان كنموذج عريق".

النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.

المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗

أخبار ذات صلة

أبرز الأخبار في بريدك

اشترك لتصلك أهم الأخبار والتقارير.