الأردن بعد هجوم الكرك: تحديات أمنية ومخاوف على التماسك الاجتماعي
أعاد الهجوم المسلح الذي استهدف المشاركين في تشييع جنازة في محيط كنيسة حمود بمحافظة الكرك جنوبي الأردن اليوم الجمعة، وأسفر عن مقتل سبعة أشخاص وإصابة 27 آخرين، تساؤلات بشأن طبيعة التهديدات الأمنية التي تواجه البلاد، واحتمالات ارتباط الحادثة بالتطرف، وانعكاساتها على الوحدة الوطنية والنسيج الاجتماعي الأردني، في انتظار نتائج التحقيقات الرسمية لتحديد هوية المنفذين وارتباطاتهم ودوافعهم.
تعمق أكثر
وتكتسب الجريمة حساسية إضافية من استهدافها محيط مكان عبادة مسيحي خلال مراسم تشييع، في حادثة وصفها وزير الداخلية الأردني مازن الفراية بأنها "عمل إرهابي نفذته مجموعة من المتطرفين". وبينما يرى خبراء أن تداعيات الهجوم على التماسك الاجتماعي "قد تبقى محدودة"، يحذر آخرون من ضرورة "مراجعة ملفات التطرف والتعامل مع التهديدات الأمنية، ومنع استغلال الجريمة لإثارة الانقسام بين الأردنيين".
تداعيات محدودة
ويقول الخبير الأمني عمر الرداد، في حديث لـ"العربي الجديد"، إن تداعيات الهجوم "ستكون محدودة، باستثناء استمرار ردات الفعل الشعبية الرافضة للإرهاب والعنف واستهداف المواطنين على أسس دينية"، مشيراً إلى أن "العملية كانت لافتة بالنظر إلى طبيعة الهدف الذي استُهدف". ويضيف الرداد أن "الجماعات التكفيرية المرتبطة بتنظيمي داعش والقاعدة، أو التي تتبنى الفكر التكفيري، اعتادت استهداف المراكز الأمنية ورجال الأمن، لكن استهداف مركز ديني مسيحي بهذه الصورة، وخلال تشييع جنازة وليس أثناء إقامة الصلاة أو أداء الطقوس الدينية، يمثل حادثة مؤسفة ومثيرة للحزن".
ويرى أن أهداف منفذي الهجوم "قد تتجاوز إيقاع الخسائر البشرية إلى استهداف الوحدة الوطنية والنسيج الاجتماعي الأردني"، محذراً من أن "مثل هذه الجرائم قد تسعى إلى إثارة الانقسام بين أبناء المجتمع". ويتابع الرداد أن "الأردن لا يشهد مجرد حالة تعايش بين المسلمين والمسيحيين، بل حالة من الاندماج الاجتماعي"، لافتاً إلى انتشار الكنائس والمساجد في مختلف مناطق المملكة. ويضيف أن "الأردن لم يشهد، تاريخياً، حوادث مماثلة استهدفت مراكز دينية مسيحية بدوافع دينية واضحة على غرار ما شهدته دول أخرى في المنطقة".
الرداد: تنفيذ الهجوم، من الناحية العملية، لم يتطلب تخطيطاً معقداً بالضرورة
وفي ما يتعلق بالجانب الأمني، يقول الخبير الأمني إنه "لا يمكن قراءة الهجوم بمعزل عن السياقات المحيطة به، كما لا يمكن استباق نتائج التحقيقات أو الجزم بدوافع المنفذين وارتباطاتهم". ويضيف أن "تنفيذ الهجوم، من الناحية العملية، لم يتطلب تخطيطاً معقداً بالضرورة، إذ يمكن لمجموعة مسلحة الوصول بسهولة إلى تجمّع من الأشخاص وإطلاق النار عليهم بصورة عشوائية"، مشيراً إلى أن "الضحايا والمصابين كانوا في محيط الكنيسة أو داخل حرمها، وليس داخل المصلى أو المبنى الداخلي للكنيسة".
ويؤكد الرداد أنه لا يعتقد أن منفذي الهجوم سيتمكنون من تحقيق أهدافهم في خرق النسيج الاجتماعي واللحمة الوطنية الأردنية، مشيراً إلى أن "نموذج الاندماج والمواطنة لا يقتصر على الكرك، بل يمتد إلى مناطق أخرى، منها مأدبا والسلط وإربد والمفرق والزرقاء".
من جهته، يقول أستاذ الدراسات الاستراتيجية في جامعة الحسين بن طلال حسن عبد الله الدعجة إن "الهجوم الإرهابي الذي شهدته الكرك واستهدف المشاركين في تشييع جنازة في كنيسة يمثل جريمة تمسّ الأردن كله، وتعتدي على حرمة الإنسان ودور العبادة وقيم المجتمع الأردني الراسخة". ويضيف لـ"العربي الجديد" أن وصف وزير الداخلية الحادثة بأنها "عمل إرهابي نفذته مجموعة من المتطرفين يؤكد خطورة الواقعة، لكن تحديد ارتباطات المنفذين وتفاصيل مخططهم يبقى من مسؤولية الأجهزة المختصة والتحقيقات الرسمية". ويوضح أن "الاعتداء، من الناحية الاستراتيجية، يتجاوز الخسائر البشرية إلى ما قد يترتب عنه من محاولات لنشر الخوف وزعزعة الثقة وإثارة الشكوك بين أبناء الوطن"، مشيراً إلى أن "استهداف مكان للعبادة يمنح الحادثة حساسية إضافية تستدعي وعياً وطنياً يحاصر التحريض والشائعات، ويمنع تحويل الجريمة إلى أداة للاستقطاب". ويشدد على "عدم جواز استباق نتائج التحقيقات باتهام جهات بعينها أو ربط الهجوم بمخططات خارجية من دون أدلة".
وفي استعراضه السوابق، يشير إلى أن "الأردن واجه اعتداءات إرهابية سابقة، أبرزها تفجيرات فنادق عمّان في 9 نوفمبر/ تشرين الثاني 2005، والهجمات المسلحة في الكرك في ديسمبر/ كانون الأول 2016"، موضحاً أن "هذه الحوادث تختلف في أهدافها وظروفها، ولا تكفي وحدها لإثبات وجود تشابه تنظيمي بينها وبين الهجوم الحالي". ويؤكد الدعجة أن "اللحمة الأردنية ستبقى متماسكة في إطار الانتماء الوطني المشترك، وأن التنوع الديني والاجتماعي يمثل مصدر قوة للمجتمع".
بُعد إقليمي؟
في المقابل، يقول الباحث الاستراتيجي الأردني عامر السبايلة، في حديث مع "العربي الجديد"، إن الأردن "لم يشهد سوابق لاستهداف الكنائس بهذه الطريقة"، معتبراً أن "الحادثة تستدعي قراءة مختلفة عن الحوادث السابقة، بالنظر إلى طبيعة الهدف والظروف المحيطة بالهجوم". ويشير السبايلة إلى "احتمال وجود بُعد إقليمي" يتمثل، بحسب تقديره، في "الرغبة في نقل الأزمات إلى الداخل الأردني"، معتبراً أن "استهداف الداخل بهذه الصورة قد يهدف إلى إحداث اختلالات في الوضع الداخلي". ويضيف أن الحادثة تستدعي مراجعات أمنية سريعة، والبدء بعملية جدية لمراجعة ملفات التطرف وآليات التعامل مع المحاولات التي تستهدف أمن البلاد واستقرارها.
النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.
المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗