23 تشرين الأول 2026 من نحناتصل بناالسياق مرئيأخبار قصيرةخاص بالسياقمصادرناالنشرة البريديةRSS
الخبر في سياقه
طقس بغداد: جارٍ التحديثأسعار الصرف المرجعية: جارٍ التحديث
عاجل
🔗 /si/22631

الحروب وافتقاد اقتصادات العالم للاستقرار

على ما يبدو أنّ العالم قد ودع الحروب الخاطفة، أو القصيرة التي لا تتجاوز شهر على أقصى تقدير، والتي كانت آثارها محدودة على مقدرات وأنشطة الاقتصاد العالمي من حيث البعد الزمني، كما حدث في حرب أميركا على أفغانستان والعراق واحتلالها البلدَين، في مطلع الألفية الثالثة، إذ سقطت أنظمة هذه الدول، ولم تتأثر الأسواق العالمية سوى لفترات محدودة، سواء في ما يتعلق بأسعار النفط، أو الأسواق المالية، ونفس الشيء حدث عندما قامت روسيا باحتلال جزيرة القرم في عام 2014، عبر حربها الممتدة على أوكرانيا.

ولكن هذه المرة، عايش العالم سيناريو الحروب المفتوحة، مع اتساع تأثيرها عالمياً، وأصبحت التأثيرات الاقتصادية السلبية أحد أدوات الحروب أو امتداداتها المقصودة، فمع قيام روسيا بشنّ حربها على أوكرانيا في فبراير/شباط 2022، اشتعلت معدلات التضخم، وضربت العالم كله، وتراجعت مؤشرات أسواق المال العالمية، واهتزت حسابات البنوك المركزية، إذ اضطرت إلى رفع سعر الفائدة لمواجهة التضخم لسنوات.

وفي الوقت الذي لم تنته فيه حرب روسيا على أوكرانيا بعد نحو 5 سنوات، وغياب الأمل في إنهاء هذه الحرب عبر الحسم العسكري أو المبادرات السياسية، أتت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، والتي لا زالت تتجدد أحداثها بين الحين والآخر، وإن كانت تداعياتها السلبية تتراكم على اقتصادات العالم، من خلال أسعار النفط المرتفعة، التي تتجاوز سقف الـ 100 دولار إبان التصعيد، أو تنخفض إلى ما دون المئة دولار، لتدور في فلك الـ 90 دولاراً لبرميل النفط.

عايش العالم سيناريو الحروب المفتوحة مع اتساع تأثيرها عالمياً وأصبحت التأثيرات الاقتصادية السلبية أحد أدوات الحروب أو امتداداتها المقصودة

والأكثر تأثيراً من حيث الآثار السلبية، هو حالة الإرباك التي تتعرض لها سلاسل الإمداد للعديد من السلع، وأصبحت الحكومات تواجه تحديات جديدة تضاف إلى أجندة مشكلاتها وقضاياها الاقتصادية. فلم يعد الأمر يتعلق بتطلعات إيجابية تنموياً، بينما تركز اهتمام حكومات معظم الدول في كيفية تفادي ارتفاع الأسعار وضمان التدفق السلعي من الخارج، أو استمرار حركة التصدير للسلع المحلية، أو سلامة السفن والمجاري البحرية.

موقف التحديثات الحية

عن قدرة الاقتصاد الإيراني على تحمل تكاليف الحرب

وإذا كانت الأمثلة التي ذكرناها تدور في محيط عالمي وإقليمي، يضم أميركا وروسيا وأفغانستان والعراق وإسرائيل، فإننا واجهنا حرب تخص المنطقة العربية لا تزال قائمة منذ مارس 2015، هي الحرب في اليمن، والتي أدت إلى آثار اقتصادية واجتماعية شديدة السلبية على الشعب اليمني، وقد تجددت هذه الحرب منذ شهور، بعد أن استمرت هدنة بين أطرافها لسنوات، ولكن مشكلات أهل اليمن الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية لم تهدأ، من حيث شدة الفقر (85% من شعب اليمن تحت خط الفقر حسب تقديرات أممية) والبطالة والهجرة والنزوح، والأكثر هماً هو سقوط الدولة وغياب مؤسساتها. وقد يكون الشيء بالشيء يذكر، أن واقع العديد من الدول العربية التي تعاني نزاعاً داخلياً، أشد مرارة، كما هو الحال في السودان وليبيا والصومال. فهذه الدول تمتد فيها النزاعات والحروب الأهلية، ولا تعرف الاستقرار الاقتصادي بسبب الحروب الداخلية.

ومما يزيد من أزمتها الاقتصادية والاجتماعية، أنه لا تتوفر للمتصارعين بها، وكذلك لدى بعض القوى الإقليمية والدولية المتدخلة في أمر تلك الدول، أي مبادرة جادة لإنهاء الصراع هناك، وتعد هذه الدول صاحبة حصص كبيرة في عدد النازحين والمهاجرين، فضلاً عن انهيار عملاتها المحلية، وغياب أي أفق لمشروعات تنموية.

تركز اهتمام حكومات معظم الدول في كيفية تفادي ارتفاع الأسعار وضمان التدفق السلعي من الخارج أو استمرار حركة التصدير للسلع المحلية أو سلامة السفن والمجاري البحرية

اقتصادات العالم والتعايش مع الأزمة

الجديد هذه المرة، أن الحروب لم تعد محصورة بين طرفين، ولكن أصبح لها تأثيرها متعدد الجوانب، بل ووجود أطراف أخرى وإن كان تدخلها على نحوٍ غير مباشر، فلا يمكن أن نقرأ التأثيرات المختلفة للحرب الروسية الأوكرانية، وبخاصة في جوانبها الاقتصادية على طرفيها فقط. فتلك الحرب جعلت أوروبا تفيق على أزمة استراتيجية تتعلق باحتياجاتها من الطاقة، وأن اعتمادها بشكل كبير على الطاقة الروسية قبل فبراير 2022، كان من أكبر التهديدات الخارجية لها، مما جعلها تعود في أسرع وقت لإعادة النظر في استراتيجيتها للطاقة، من حيث عودة تشغيل محطات الفحم والمحطات النووية لتوليد الكهرباء.

تظهر الصين عبر دعمها لكل من روسيا وإيران في حربهما مع أميركا، وليس من صالح الصين أن تنتهي الحرب من ناحية، أو أن تنتهي الحرب بهزيمة أي من إيران أو روسيا، فالصين تريد استنزاف أميركا كثيراً في تلك الحرب، عبر استمرار هذه الحرب لأكبر فترة ممكنة، وفي حالة انتهائها ألا تكون نتيجتها هزيمة روسيا أو إيران.

موقف التحديثات الحية

عبث الحوثي بباب المندب والمخاطر المتنامية على مصر

ولم يعد متصوَّراً، أن تعود أوضاع الاقتصاد العالمي، على ما كان عليه في عام 2019 وما قبله، حيث كانت التأثيرات محدودة، ويمكن التعامل معها عبر فترات زمنية قصيرة، إذ كانت المشكلات متعلقة بسياسات اقتصادية مثل الحرب التجارية أو ارتفاع سعر الفائدة أو أزمة المديونية العالمية. ولكن مع استمرار المتغير الجديد، وهو الحروب المفتوحة، والتي تمتد آثارها على مختلف اقتصادات العالم، النامية والمتقدمة على السواء، أصبح الاستقرار النسبي حلماً عالمياً، أما الاستقرار الاقتصادي الدائم، فهو المستحيل.

ومن المتغيرات الجديدة التي قد تؤدي إلى مزيد من عدم استقرار الاقتصاد العالمي، هو الصراع التكنولوجي وتوظيفه بشكل كبير في استمرار الحروب لفترات طويلة، بدلاً من أن يكون عاملَ حسم، ولعلنا نرصد هذا بوضوح في الحرب الروسية الأوكرانية، إذ يلجأ الطرفان إلى استخدام الطائرات المسيّرة بكثافة، لاستهداف المنشآت والبنية الأساسية، والسفن التجارية.

الصين تريد استنزاف أميركا كثيراً في الحرب عبر استمرارها لأكبر فترة ممكنة وفي حالة انتهائها ألّا تكون نتيجتها هزيمة روسيا أو إيران

المواطن يدفع الثمن

نعم هناك قراءات تتصدر المشهد التحليلي للاقتصادات العالمية في ظل الحروب، وبخاصة في الدول التي ليست طرفاً في هذه الحروب، وإن كان المواطن في الدول المتحاربة يدفع ثمناً أغلى، وبخاصة إذا نالت الحرب من حياته هو وأسرته، فإما أن يكون قتيلاً أو جريحاً هو أو أحد أفراد عائلته. ويضطر المواطن صاغراً في معظم دول العالم، من حيث تحمله فاتورة عدم الاستقرار الاقتصادي، بسبب الحروب الممتدة، ففي حالة اعتراضه على ارتفاع معدلات التضخم، فيكون جواب الحكومات، أن التأثير السلبي نتيجة الحرب وهي أمور خارجة عن إرادتها. وعندما يفقد وظيفته، فيكون الجواب دائماً جاهزاً أن دولته تدفع ثمناً لحرب ليس لها فيها أي دور، وإنما تدهور السوق العالمية بسبب الحرب، فيكون المواطن في دوامة تؤثر على نحوٍ كبير سلبياً على مستوى معيشته، وكذلك تهدد أمنه الوظيفي والأسري. وبخاصة في الدول التي تفتقد لوجود نظم حماية اجتماعية، يمكنها مواجهة مثل هذه الظروف.

موقف التحديثات الحية

مخاطر الاقتصاد الأسود على تركيا

الجديد هذه المرة، أنّ المواطن في كل من أوروبا وأميركا، يشعر بالتداعيات السلبية اقتصادياً واجتماعياً في ظل الحروب المفتوحة، والتي لم يكن لها داعٍ من وجهة نظر بعضهم، فارتفاع أسعار السلع والخدمات، واستمرار ارتفاع معدلات التضخم لفترات طويلة، أصبح يؤرق المواطن في أوروبا وأميركا، وليس الدول النامية أو الصاعدة فقط.

هل يمكن أن نقرأ هذا الوضع من غياب الاستقرار الاقتصادي لدى غالبية دول العالم، على أنه فترة المخاض التي تسبق تشكيل نظام اقتصادي عالمي جديد؟ وبالتالي قد تطول الأزمة، حتى تتبين ملامح حسم الصراع بين القوى الاقتصادية الكبرى، لتتشكل وفق الخريطة الجديدة للنظام المنتظر، لتتحد قواعد الاستقرار الاقتصادي والمستفيدين منه. ولكن علينا أن نعي أنّ ثمّة مواطناً في الدول النامية يعاني من بؤس أداء حكومته، وتحمله لتداعيات الحروب الخارجية.

النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.

المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗

أخبار ذات صلة

أبرز الأخبار في بريدك

اشترك لتصلك أهم الأخبار والتقارير.