23 تشرين الأول 2026 من نحناتصل بناالسياق مرئيأخبار قصيرةخاص بالسياقمصادرناالنشرة البريديةRSS
الخبر في سياقه
طقس بغداد: جارٍ التحديثأسعار الصرف المرجعية: جارٍ التحديث
🔗 /si/21992

فادي جودة: ولائي الأول للشعر وللعربية التي علمتني ماهية الأدب

يرى الشاعر الفلسطيني الأميركي فادي جودة أن "الحزن الذي يفوق الوصف يستحق الصمت"، لكنه يجد في الشعر قدرة على الإصغاء إلى ما يتعذر قوله، وعلى مقاومة المحو الذي تخلّفه المجازر. في كتابه الأحدث "Exhibit G" (ميلكويد إديشنز، منيابولس، 2026) الذي وصل إلى القائمة النهائية لجائزة الكتاب الوطنية الأميركية لعام 2026، يفتح القصيدة على الصور والشهادات والأصوات الفلسطينية الآتية من غزة، ويعيد مساءلة العلاقة بين الجمال والكارثة، وبين اللغة والتاريخ.

جودة المولود عام 1971 لأبوين فلسطينيين، نشأ بين ليبيا والسعودية، قبل أن يستقر في الولايات المتحدة، حيث يعمل طبيباً ويكتب الشعر بالإنكليزية. أصدر جودة سبعة كتب شعرية، من أبرزها "الأرض في العلّية" (2008) الذي فاز بسلسلة ييل للشعراء الشباب، و"Textu" (2014) الذي كتب قصائده على الهاتف المحمول في 160 حرفاً لكل قصيدة، و"مشدود إلى النجوم" (Tethered to Stars، 2021)، وديوانه المعنون بعلامة الحذف "[…]" (2024) الذي بلغ نهائيات جائزة الكتاب الوطنية الأميركية. وترجم إلى الإنكليزية أعمالاً لـ محمود درويش وغسان زقطان وأمجد ناصر.

تعمق أكثر

في كتابه الأحدث، تتجاور قصائد جودة مع صور التقطها فلسطينيون، وأعمال فنية وأصوات شعرية من غزة، في محاولة لصوغ كتاب تتعدد فيه وسائل التعبير عن الحياة تحت الإبادة. يقول إن غايته إنتاج عمل "كل عيونه وكلماته وأصواته فلسطينية من قلب المجزرة"، وإن الصورة والنص يمنح أحدهما الآخر "مناعة متبادلة" أمام سطوة التمثيل.

يعيد مساءلة العلاقة بين الجمال والكارثة، وبين اللغة والتاريخ

في هذا الحوار مع "العربي الجديد"، يتحدث جودة عن الكتاب الهجين وجذوره في التراث العربي، وعن الشعر الذي يكتب من داخل الفاجعة ويحاول الاحتفاظ بحريته الجمالية. ويعود إلى سؤال اللغة، حيث يرى أن "القصد وهم"، وأن ثمة منزلة من الشعر "حرة من هراء الأبجديات وعبثها". كما يتأمل معنى الاعتراف الأدبي حين يدخل كتاب عن غزة فضاء الجوائز الأميركية، مؤكداً أن الكتاب، وإن اعترف بالخسارة في عنوانه، ينتصر بما يفتحه من حوار مع الآخرين.

تعني كلمة Exhibit المعروضَ والدليلَ الذي يُقدَّم في المحكمة. وتفتح الحرف G على غزة والإبادة، وتصل به إلى الغيغابايت. لماذا اخترتَ لكتابك عنواناً من لغة القضاء والشاشات؟ وأمام أي محكمة تضع هذا المعروض؟

- وقد تكون الـG للغربة أيضاً. لا أقدم الكتاب أمام أي محكمة. لا حاجة عندي إلى التبرير أو الشرح. الإبادة حدث تاريخي يحتوي على الزمن الطويل الذي يحتويه ولا يحتاج إلى ذاكرة أو نسيان. وكما أقول في نص "موسى الرضيع وخلاص" إن معجزة نجاة موسى هي معجزة نجاة طفل من إبادة بالمقام الأول. المعروض يتحول إلى مسرحية أمام المحكمة. إذا كان لا بد من مسرحية فلتكن إبداعاً فلسطينياً ينتصر بالأغنية المتعددة المقامات.

يضم الكتاب صوراً من غزة، ونصوصاً للشاعرتين روان حسين ونعمة حسن، وقصيدة كتبتَها مع نعمة حسن، ومواد من مطبخ غزة الخيري. لماذا المواد المشتركة؟ وكيف تُكتب قصيدة مشتركة بين شاعر في أميركا وشاعرة تحت القصف

يهمني أن أنتج كتاباً من عرق جبين فلسطيني محض. فالمصورون فلسطينيون من غزة. والإصرار على رؤية الحياة بالألوان إصرار غزيّ هنا أيضاً. كان همّي أن أخلق إبداعاً كل عيونه وكلماته وأصواته فلسطينية من قلب المجزرة، من دون إنكار للكارثة أو مكابرة خاوية. الفلسطيني هو من يبقيني فلسطينياً. مطبخ غزة الخيري كان شريكاً طبيعياً في هذا الكتاب. وصوتا نعمة حسن وروان حسين شاهدان على تعددية الحبر الفلسطيني. وهذا يثريني.

تعمق أكثر

سمّيت ديوانك السابق بعلامة الحذف، وأقمت فيه قريباً من الصمت. في ديوانك الجديد "المعروض G" يتسع الكلام، وتدخل في القصيدة الصورةُ والمقالة والشهادة وأصوات أخرى. ماذا حدث بين الكتابين؟ وهل فقدت ثقتك بقدرة القصيدة المفردة على حمل غزة؟

بشكل عام ليس هناك شكل محدد للقصيدة التي تستطيع قول ما يجب قوله. انتبهت إلى أن الأحداث الحميمة في كثير من مشاهد الإبادة تحمل في ثناياها لغة فلسطينية هائلة من الحب والأسى والسخرية اللاذعة. وأردت أن أحتفي بهذه الموسوعة الفلسطينية قدر الإمكان. أن تحزن أمّ على وعاء المكدوس المسروق كأنها تحزن على حيوان أليف، مثلاً. وأن أصر على الحيز الذي يمنحني التأمل في هذا المشهد ويستحضر عبارة محمود درويش "والأرض تورث كاللغة" أو أمل دنقل "لون الحقيقة لون تراب الوطن". بالإضافة إلى أنني معني جداً بتاريخ الكتاب في التراث العربي. هو هجين بامتياز. لا يكاد يوجد شعر لا يصحبه نثر والعكس صحيح. من منا يقرأ المتنبي بجدية اليوم من دون أن يقرأ النثر المصاحب لديوانه. وكم من هذا النثر الشارح يحتوي على روايات وفلسفة واستشهادات شعرية أيضاً. أو أنظر إلى أدب الرسالة وأمثلة كثيرة أخرى. لماذا أحرم غزة من هذا التراث الشاسع وهو جزء مما يبقيها ويبقيني؟

هناك شكلٌ محدد للقصيدة التي تستطيع قول ما يجب قوله

كل الصور في الكتاب التقطها فلسطينيون، وهذا يغيّر علاقة القوة لحظة التصوير. لكن الصورة تغادر الكتاب وتدخل سوق الإعلام. كيف رتّبتَ الصور لتحميها من اقتصاد الشفقة؟ وما الصورة التي استبعدتها لأنها كانت ستخون الكتاب؟

النصوص في الكتاب تصور ما لا تمثله الصور في معظم الأحيان والصور بدورها تحكي ما لا تحكيه النصوص. وجدت في هذا التوازي مناعة متبادلة تقي الشكل الإبداعي من سطوة الشكل الآخر. ضمّنتُ الكتابَ كذلك عملين لناجي العلي ولوحة لعبد الحي مسلم (وهي في نظري الـGuernica الفلسطينية) وبعض الصور من مشروع "غزة حبيبتي" الذي يسبق الإبادة. أما سؤالك عن الصورة المحذوفة لأسباب "فنية" فلا أظن أنها موجودة. لا لشيء سوى أن الصور مؤطرة بضيق العيش ما بين الجوع والعطش والرغبة العارمة بالاحتفاء بالطفولة والجمال على الرغم من الفاجعة. أعفتني ظروف الصور من عبء الانتقاء وعلاقته بالمحظور. فاخترتُ ما يصنع لوحة فلسطينية يطابق كمالها نقصانها.

في قصيدة "والله" يرافق مسعف جثماناً أُخرج من تحت الأنقاض، ثم يدرك أنه جثمان أمه، فيعتذر إليها كطفل ضبطته متلبساً بخطأ. من أين جاءتك هذه الحكاية؟ وكيف قاومت البلاغة وأنت تكتب مشهداً كهذا؟

"والله ما عرفتك يمّا" حادثة معروفة تسلب نعمة النسيان من الذاكرة. وهذه الحوادث كثيرة. وبعضُها فرضَ عليّ التأني والتأمل في لغة الرثاء حين تتوالد ذاتياً. الحزن الذي يفوق الوصف يستحق الصمت. وأحياناً يستحق أفضل النثر الذي يقارب الشعر كما يقول التوحيدي. أردت أن أُرسل إلى رجل الإسعاف هذا رسالة حب صغيرة، لا أكثر.

تعمق أكثر

كل قصيدة تحتوي على لحظة أو لحظات، وجهة أو وجهات، غير مقصودة

أنت شاعر ومترجم ومثقف يعيش في الغرب، وتعرف الفخاخ التي تنتظر القصيدة الفلسطينية في الإنكليزية. ألا تخشى أن تسبق هذه المعرفة القصيدة إلى معناها؟ وأين فاجأتك قصيدة في هذا الكتاب وأخذتك إلى ما لم تكن تقصده؟

مسألة الأدب الفلسطيني مع الغرب قديمة لا جديد فيها. وأنا أكتب بالإنكليزية منذ عقدين. "تمرست بالآفات" ما يكفي، على قول المتنبي. وولائي الأول هو للشعر ولما علمتني إياه اللغة العربية عن ماهية الأدب. ومعها، وإن اختلفت الأبجدية، يكون حواري. كل قصيدة تحتوي على لحظة أو لحظات، وجهة أو وجهات، غير مقصودة. الشاعر في سعيه نحو القصيد ينصت إلى الصدى، والصدى يقود الشاعر إلى ما هو غير مقصود. وطريق العودة من هذا هو خلق لذاكرة ونسيان خاصين بالنص. القصد وهم. "نفارق العيش لم نظفر بمعرفةٍ أي المعاني بأهل الأرض مقصودُ" يقول أبو العلاء.

تقول إن فلسطين في العربية تتكلم وتصمت وتسخر بلا حاجة إلى إثبات وجودها، وإنها في الإنكليزية مطالبة دائماً بالدليل. فلماذا تواصل الكتابة بالإنكليزية؟ ولو تُرجم الكتاب إلى العربية، ماذا يبقى منه وماذا يسقط حين يغيب القارئ الذي كُتب في مواجهته؟

هناك منزلة ما من الشعر حرة من هراء الأبجديات وعبثها. هذه منزلة أحبها. شاءت ظروف حياتي أن تقصيني عن العيش بالعربية. ولكنها لم تقصني عن الشعر. وأظن أنّ كتابي هذا لو كان بالعربية لاتخذ إيقاعاً مختلفاً يجبرني على إعادة صياغته ولكن من دون أن تتغير الفحوى. خصوصاً أن الألسنة والأصوات الفلسطينية التي يستحضرها الكتاب ويحاورها كلها عربية بامتياز، فكأنه ترجمان للأشواق. ولا ننسى أن القارئ والكاتب العربيين مستعمران من الفكر الإبداعي الغربي. بخيره وشره.

يقاوم كتابك تحويل غزة إلى معروض، وها هو يدخل القائمة النهائية لجائزة الكتاب الوطنية الأميركية، وهي فضاء يقوم على العرض والاختيار والتصنيف. كيف تعيش هذا الاعتراف؟ وما الذي تخشى أن تأخذه المؤسسة من الكتاب مقابل ما تعطيه؟

الكتاب يعترف، في عنوانه، بالخسارة. ولكنه ينتصر لأنه يحاور قلوباً أخرى غير معنية بإخضاع الكتاب إلى طباع تسلطية مسبقة. وأنا أعلم أن هذه القلوب موجودة وأن أقوى الإيمان يبدأ بأضعفه، يتوسّده ويرتاح إليه.

النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.

المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗

أخبار ذات صلة

أبرز الأخبار في بريدك

اشترك لتصلك أهم الأخبار والتقارير.