23 تشرين الأول 2026 من نحناتصل بناالسياق مرئيأخبار قصيرةخاص بالسياقمصادرناالنشرة البريديةRSS
الخبر في سياقه
طقس بغداد: جارٍ التحديثأسعار الصرف المرجعية: جارٍ التحديث
🔗 /si/21879

أبعد من القبض على هذا الجزّار في سورية

عمَّت الاحتفالات مدينة بانياس في الساحل السوري وقريتي رأس النبع والبيضة، بعد القبض، قبل أيام، على مجرم كبير قاد مليشيا طائفية مسلحة اسمها "المقاومة السورية في لواء الإسكندرون" اشتُهرت بارتكابها واحدة من أبشع عمليات التطهير الطائفي، بإعدام المدنيين العزّل ذبحاً بالسكاكين وحرقاً ورمياً بالرصاص (248 مدنياً حسب "هيومن رايتس ووتش")، موثقة في القريتين، وذلك في مايو/ أيار 2013. وهو من ولاية هاتاي التركية (لواء الإسكندرون) ومطلوب لتركيا بسبب تورطه في تفجير القنصلية الأميركية في أضنة، والسطو على بنك أواخر السبعينيات، ضمن نشاطه في تجمّع يساري متطرّف، والهارب من معتقله في تركيا، مطلع الثمانينيات، إلى سورية، وقد تم منحه الجنسية السورية باسمه المستعار: علي الكيالي، ليشغِّله نظام بشار الأسد في قمع الاحتجاجات الشعبية مطلع 2011. كما أنه متَّهم تركياً بتدبير تفجيرين استهدفا مدينة الريحانية التركية الحدودية، وتورّطت مليشياته في عمليات تصفية دموية ومداهمات في أرياف اللاذقية وحلب وإدلب.

أياً كانت طريقة القبض عليه، اعتقالاً في أثناء عبوره الحدود السورية إلى لبنان حسب الرواية الرسمية، أو خطفاً من مجموعة مسلحة في لبنان سلمته للسلطات السورية كما يشاع، فإن معراج أورال في صدارة قائمة المجرمين المطلوبين للشعب السوري، وقد برّد اعتقاله جروح ذوي ضحايا مجازره. إلا أنَّ العدالة التي تأتي بمحاكمة أورال، وقبله أمجد يوسف وغيرهما، لا تتحقق بمنطق الثأر والتشفّي الذي يعطي الضحايا شحنة تهدئة مؤقتة. ما يحتاجه ضحايا أورال ويوسف وبشار الأسد ووالده والنخبة التي شاركتهما الحكم أبعد من اعتقال مجرم ومحاكمته مهما كبرت جريمته أو صغرت، على أهمية تلك المحاكمة؛ يحتاجون إلى عدالة تنهي الظلم الذي ثاروا عليه في 2011، وتضمن عدم تكراره.

شكَّل أورال مليشيا رديفة للقوات الحكومية، واتَّخذت طابعاً طائفياً، وأعطيت لها حرية كبيرة في قمع الاحتجاجات وممارسة أعمال السطو والقتل والخطف وغيرها، وكما هي حال باقي المليشيات الرديفة، كانت قوات أورال فوق المحاسبة والمساءَلة، بعكس الجيش والقوى الأمنية التي كانت تعمل ضمن منهجية تراتبية صارمة، حتى في ارتكابها الجرائم. وهنا يفرض تجاوز الماضي طرح سؤالين: يتعلق الأول بأشكال مليشيات دعمت القوات الحكومية الجديدة في مجازر متنقلة في الساحل، ثم جرمانا وصحنايا والسويداء، في تكرار للعنف خارج المؤسسات الرسمية، وهذا يتناقض مع تحقيق العدالة، وأسوأ تبرير يمكن تقديمه هنا هو تغير هوية الضحايا الدينية، وأن هناك مظلومية سنية تبرر ارتكاب مجازر في حق الأقليات.

معراج أورال في صدارة قائمة المجرمين المطلوبين للشعب السوري، وقد برّد اعتقاله جروح ذوي ضحايا مجازره

ويتعلق السؤال الثاني بالعقيدة التي يبنى عليها الجيش السوري والأجهزة الأمنية والشرطية، والتي تتركز في الدفاع عن السلطة بوصفها تمثِّل الدولة الجديدة، في حين أن عقيدة الجيش تبدو بملامح طائفية، مع استبعاد الأقليات الدينية وكثير من سنة المدن واقتصار المنتسبين إليه على بيئات محدودة وإجراء دورات شرعية لهم؛ وهنا فُرض اتفاق الاندماج مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، لكنَّه لم يكسر هذه المحاولات لبناء عقيدة طائفية للجيش الذي تبنيه السلطة، كما أنه لم يكسر الطبيعة الأقلوية المتعصبة لقوات البايادي والشبيبة الثورية ووحدات الحماية المندمجة، إذ يبدو الاندماج شكلياً من الناحية العسكرية والأمنية مع بقاء القوات الكردية كتلة واحدة في الشمال الشرقي، ومع غياب الثقة بسلطة دمشق وجيشها وشكوك حول العقيدة التي يبنى عليها.

لم يخرج السوريون في انتفاضة واسعة على طول البلاد من أجل أن يُقتلوا على يد معراج أورال وبقية المليشيات الرديفة والقوات النظامية أو في المعتقلات. كان هدفهم رفع الظلم الذي طبَّقه نظام الأسدين عقوداً. وعلى سبيل المثال، أصبحت الاحتجاجات ضدّ استمرار تطبيق قوانين الأسد التي أباحت السيطرة على أراضي الفلاحين وبساتينهم وعقاراتهم، ومنها المرسوم 66 لعام 2012 في منطقة المزة وبساتين الرازي وكفرسوسة وداريا (ماروتا وباسيليا سيتي) الذي صنفته منظمات حقوقية مرموقة جريمة حرب، والقانون رقم 10 لعام 2018 والذي يعمم ما حصل في المنطقتين السابقتين على أية منطقة تنظيمية، تحت مسمّى الاستملاك ومن أجل تحقيق المنفعة العامة، التي كانت غالباً منفعة عسكرية لحماية مراكز النظام. وبالتالي، يعدُّ التمسّك بمراسيم الاستملاك وقراراته وتبريرها استمراراً للظلم، ولن تشعر الفئات المتضرّرة بتحقيق العدالة حتى لو أمكن تطبيق أقسى الأحكام على بشار الأسد وشقيقه ماهر، طالما أن الظلم مستمرٌ مع تغير المنتفعين؛ وهذا فحوى ما بات يردده المحتجون المتضرّرون من قوانين الاستملاك في وقفات أسبوعية كل جمعة، وهم يحاولون تنظيم صفوفهم لمواجهة سياسات السلطة.

ما يحتاجه السوريون الكثير من إدارة الدولة لكل الموارد، بما فيها التي في جيوب المواطنين، ودعم وضعها في سياق إنتاجي تنموي

شكلت سلة مراسيم الأسد الابن بعد 2005 جرعة صادمة للسوريين مع توجُّه نظامه إلى تطبيق تشريعات نيوليبرالية وانفتاح أكبر باتجاه اقتصاد السوق، وكانت ضمن الأسباب العميقة لانتفاضة 2011؛ فرُفِع الدعم عن السلع التي يحتاجها الفلاح والصناعي، وفُتِح الاستيراد على مصراعيه أمام السلع الأجنبية، بينما كان تركيز الاستثمار في القطاعات الريعية والتطوير العقاري، ما أدى إلى تراجع مجمل العملية الإنتاجية، واختلال في الميزان التجاري، وتضخم سلعي، ربما لم يصل الوضع سوءاً إلى حد الجوع، إلا أنه كان كفيلاً بشعور شرائح واسعة من السوريين، خاصة من فئة الشباب، بفقدان الأمل بالمستقبل، وما دفعهم إلى الخروج ضد الظلم، وقد حملت السلاح تلك الفئات الأكثر تضرّراً، وأغلبها من بيئات ريفية. على ذلك يعد التمسك بالسياسات الاقتصادية التي انتهجها الأسد، اليوم وسورية بلد مدمّر وباحتياجات هائلة وموارد محدودة، نوعاً من الانتحار ، وسيأخذ البلاد إلى المزيد من التشظّي.

تعيد السلطة الجديدة الخطأ الكبير الذي ارتكبه الأسد الابن، الذي وجّه فوائض مالية في مصارف الدولة أو جيوب المواطنين باتجاه الاستثمار في مشاريع لا تقود إلى تنمية مستدامة، وتعمّم ثقافة الاستهلاك بدلاً من حسن الإدارة. فاليوم، هناك توجه واضح في مذكرات التفاهم التي يتم الاحتفال بها باتجاه الاستثمار في التطوير العقاري في مناطق لا تحتاجه، ومن دون دراسة كيفية تخديمه، أو أنه لا يشكل أولوية الآن، ومن دون النظر في احتياجات السكان أو إشراكهم في القرارات. هذا يتم في ظرف شديد الصعوبة، وبلد مفتت اجتماعياً وجغرافياً، وبتدخلات خارجية، وتهديدات إسرائيلية بالسيطرة الكاملة على الجنوب السوري ووضع دمشق في مرمى أسلحتها المدمرة. رغم الموارد المحدودة في المصرف المركزي، ولا نعلم الكثير عما يحويه الصندوق السيادي، فإن ما يحتاجه السوريون الكثير من إدارة الدولة لكل الموارد، بما فيها التي في جيوب المواطنين، ودعم وضعها في سياق إنتاجي تنموي. ما فعلته السلطة عكس هذا؛ فهل يمكن لمحاكمة معراج أورال وزملائه ومشغِّليه أن يغطي على كارثة رفع أسعار موارد الطاقة التي خنقت فرص الإنتاج والمنافسة، وركزت الثروة في أيدي قلة من الأوليغارش والمحاسيب؟

النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.

المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗

أخبار ذات صلة

أبرز الأخبار في بريدك

اشترك لتصلك أهم الأخبار والتقارير.