أمثولة عبد ربه منصور هادي
لم يكن الحوثيون (جماعة أنصار الله) قد بدؤوا زحفهم على صنعاء عام 2014، عندما أطلق الرئيس اليمني آنذاك، عبد ربه منصور هادي، نبوءته الحزينة واليائسة، فالحوثيون سيستغلون ارتفاع أسعار الوقود، وسيلتفّ الناس حولهم، وسينتهي الأمر باحتلال صنعاء. ذلك ما نسبته إليه صحف ووسائل إعلام بعضُها ينشد الإثارة فيزيد وربما يُفبرك، ولكن ما حدث لاحقاً أكد صحّة تلك النبوءة.
كان يرغب في وديعة قيمتها مليار دولار توضع في المصرف المركزي للبلاد، لإفشال خطّة الحوثيين المفترضة آنذاك، وقال إنه إذا لم تصل الوديعة فسيصل الحوثيون على طريقتهم. لم يقل أنقذونا، بل كاد يتوسّل، فالخطر داهم ومصيري، لكن طلبه رُفض، وتقدّم الحوثيون من عمران إلى العاصمة وسط مظاهرات ضخمة ترفض ارتفاع أسعار الوقود.
في 21 سبتمبر من ذلك العام، حسم الحوثيون حرباً قصيرة مع قوات هادي، وسيطروا على المدينة. حاصروا لاحقاً القصر الرئاسي ومنزل هادي نفسه، وتركوا الرئيس الذي يبدو طيباً مثل الأجداد، ولا يصلح إلّا لكتابة المذكّرات، وحده تحت الإقامة الجبرية، لا جنود على الأبواب ولا مكالمات هاتفية مع دول الجوار.
ماذا كان على هادي أن يفعل؟ لو كان يابانياً لانتحر، إذ كيف لمجرّد جماعة مسلحة أن تكتسح عاصمة البلاد، وتستولي على مؤسسات الحكم كلها، ثم تفرض شروطها، وتحاصر الرئيس، في بضعة أيام فقط؟ لم يُقتل عشرات المئات في تلك الحرب القصيرة، وتردّد أن ما يزيد قليلاً عن 20 مسلحاً حوثياً فقط كانوا يحاصرون هادي في منزله، وكان هذا دافعاً لأحد احتمالين: أن يخرج هادي، وهو جنرال سابق في المناسبة، على المسلحين ويأمرهم بالاستسلام، فهم يقفون أمام القائد الأعلى للقوات المسلحة، وإذا رفضوا فبإمكانه إطلاق الرصاص عليهم من سلاحه الشخصي، وهو يعرف، والحال هذه، أنهم سيردّون عليه فيُقتل لكن بشرف.
الاحتمال الثاني أن يتحوّل إلى جنرال ياباني، لكن من دون أن يشق خاصرته بسكّين حادة وقصيرة وهو يركع على قدميه، بعد إلقاء خطاب قصير أو قصيدة يرثي فيها المآلات التي وصلت إليها البلاد. لم يفعل هادي هذا، لكنّ عشرات الجنرالات اليابانيين الكبار بالمناسبة فعلوها بعد هزيمة بلادهم في الحرب العالمية الثانية. قائد الجيش، ووزير الحرب، ورئيس هيئة الأركان، وعشرات غيرهم، فعلوها تجنّباً للعار وانتصاراً لكرامتهم الشخصية التي أُهينت، وتحمّلاً لمسؤولياتهم الأخلاقية. كلهم فعلوا هذا وفقاً لطقوس الهاراكيري (السيبوكو). كلهم ارتدوا ملابس الساموراي البيضاء، وجثوا على رُكَبهم على الأرض، ثم استلوا خناجرهم وشقوا خواصرهم اليسرى وصولاً إلى اليمنى فالأعلى... ذلك طقس مؤلم، بالغ الإيلام، لا يفعله سوى المحاربين الكبار، القدامى، الجنرالات تحديداً.
كان عبد ربه منصور هادي جنرالاً كبيراً، ضابطاً في سلاح المدرّعات، ووزيراً للدفاع، برتبة لواء قبل أن يصبح فريقاً فمشيراً (مارشال)، لكنه لم ينتحر، بل فرّ فجر الحادي والعشرين من فبراير/ شباط 2015 إلى عدن، ولاحقاً إلى الرياض مروراً بسلطنة عُمان.
ليست القصة هنا كما يقال، بل في أن هادي أصبح أمثولة، أي قصة تُروى لنأخذ العبرة، ولنعرف لماذا أمكن للحوثيين أن يسيطروا ويفرضوا شروطهم ويتحوّلوا إلى لاعب في الجوار والإقليم، فمشكلة اليمن في فقره رغم موارده الضخمة، مساحة وموقعاً فريداً على خطوط التجارة عبر التاريخ. مشكلته في تخلّي الجوار عنه، فمليار دولار واحد فقط كان بإمكانه تجميد تلك اللحظة التي كان فيها مئاتٌ من مسلحي الحوثي في عمران، ويتحيّنون الفرصة المناسبة للزحف على صنعاء. مليار دولار واحد كان بإمكانه تجنيب البلاد والمنطقة لاحقاً ويلات تحوّل مجموعة مسلحة إلى قوة تبتلع دولة، وتصبح رقماً صعباً في معادلات السلام والحرب في الإقليم بأسره.
ذلك وسواه من أمور تتعلق بمفهوم الأمن الحقيقي، وبترابطه في الإقليم، فتأمين الأمن في منطقة ثرية، ورخوة أمنياً، لا يتحقق بتكديس السلاح وصفقاته الضخمة، بل يتأسّس على إنشاء ورعاية بنية تحتية تحول دون تفاقم المشكلات ونشوء البيئات الحاضنة للعنف، الفردي والجماعي، وهو ما لا يحتاج إلّا إلى بضعة مليارات فحسب، وهي أقل بكثير من تكلفة حروبنا التي لا نعرف كيف نخوضها، ولا ننتصر أو حتى نُهزم بشرف فيها: هذه هي أمثولة عبد ربه منصور هادي باختصار.
النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.
المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗