أزمة الخامات تحاصر مصانع الحديد في مصر
تواجه مصانع درفلة الحديد في مصر أزمة متفاقمة في تدبير خام "البيليت"، وهو منتج معدني نصف مصنّع يأتي على هيئة قضبان طويلة ليكون المادة الأساسية التي تغذي مصانع الحديد، وسط شكاوى متزايدة من شح المعروض وارتفاع الأسعار، ومخاوف جدية من توقف المزيد من خطوط الإنتاج وتأخر سداد أجور العمالة. يأتي ذلك بينما أعلنت الحكومة عن آليات لمراقبة السوق وتشجيع الإنتاج المحلي، دون تحديد موعد زمني لانفراج الأزمة أو اتخاذ قرار حاسم بشأن الرسوم الوقائية التي تشكل محور النزاع بين المصنعين.
ويأتي هذا التحرك الحكومي قبل جلسة قضائية مرتقبة في 14 نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل للنظر في الرسوم، فيما يلوح في الأفق احتمال تقييد صادرات الخردة الأوروبية إلى مصر، والتي توفر نحو 50% من احتياجات مصانع الحديد، اعتباراً من مايو/ آيار 2027، بما قد يضيف ضغوطاً حادة على إمدادات الصناعة الوطنية.
وبينما تراهن الحكومة على طرح رخص إنتاج جديدة وتشكيل لجنة دائمة لمتابعة الأسواق، أكد مسؤولون بالمصانع المتضررة لـ "العربي الجديد" أن استمرار صعوبة تدبير الخامات يتطلب معالجة عاجلة لا توفرها الحلول المعلنة حتى الآن. وأكد المسؤولون هيمنة شركتين محليتين على سلسلة إنتاج البيليت، مما يترك نحو 22 مصنعاً لدرفلة الحديد في مواجهة خطر توقف أفران التشغيل وما يترتب على ذلك من أضرار جسيمة وتلفيات دائمية.
وتضع هذه الأزمة الحكومة أمام معادلة صعبة؛ تتأرجح بين رغبتها في حماية استثمارات الشركات المنتجة للبيليت من المنافسة الخارجية، وتجنب تحميل مصانع الدرفلة والصناعات الهندسية والسلع المعمرة والمعدنية تكاليف إضافية تهدد قدرتها على الاستمرار، أو انتقال أعباء الخامات المرتفعة إلى أسعار حديد التسليح والمنتجات المعدنية بالأسواق.
تحركات وزارية واجتماعات مع المصنعين
كان وزير الصناعة خالد هاشم، ووزير الاستثمار والتجارة الخارجية محمد فريد، قد عقدا اجتماعين للبحث في صعوبات تدبير البيليت، والكميات المتاحة، والرتب والمواصفات الفنية المطلوبة، إلى جانب معدلات الإنتاج والمبيعات لدى الشركات.
اقتصاد عربي التحديثات الحية
انخراط مصر في الحرب يضغط على قناة السويس
وأعلنت الوزارتان تشكيل لجنة دائمة تضم ممثلين عن وزارات الصناعة، والاستثمار والتجارة الخارجية، والتموين والتجارة الداخلية، بالإضافة إلى جهاز حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية، لمتابعة حركة السوق والتحقق من توافر خام البيليت بأسعار مناسبة.
وقال وزير الصناعة إن الوزارة طرحت رخصاً جديدة لإنتاج البيليت بتيسيرات في الأسعار ونظم السداد، داعياً الشركات الحاصلة عليها إلى الإسراع في بدء الإنتاج الفعلي، ومطالباً الشركات المعنية بتقديم البيانات والمستندات اللازمة لتقييم أثر التدابير التجارية.
من جانبه، أوضح وزير الاستثمار أن الوزارة تفحص شكاوى الشركات وملاحظاتها بالاستناد إلى البيانات والمستندات وزيارات التحقق الميدانية، مشدداً على ضرورة إتاحة البيليت اللازم للتشغيل بالكميات والرتب والمواصفات المطلوبة في حدود الرخص والطاقات الإنتاجية المعتمدة.
ولم يعلن البيان الحكومي نتائج نهائية بشأن شكاوى نقص المعروض أو تركز الإنتاج لدى عدد محدود من الشركات، كما لم يتضمن قراراً بتعديل الرسوم المفروضة على الواردات، أو جدولاً زمنياً لضمان توفير الخامات للمصانع التي تواجه تعثراً في التشغيل.
تحذيرات من تحول الأرباح إلى خسائر
حذر الخبير الصناعي ومدير غرفة الصناعات المعدنية، محمد البهي، من أن استمرار الأعباء المرتبطة باستيراد خام البيليت وارتفاع تكاليف الخامات قد يحول أرباح نحو 22 مصنعاً تعمل في نشاط الدرفلة إلى خسائر قاسية، بما يهدد استمرارية الإنتاج ويؤثر سلباً على العمالة والإيرادات الضريبية للدولة.
وقال البهي في تصريحات لـ "العربي الجديد" إن مصانع الدرفلة تواجه ضغوطاً متزايدة نتيجة ارتفاع أسعار البيليت والخردة، إلى جانب ارتفاع سعر صرف الدولار والرسوم المفروضة، وهو ما يضعف قدرتها التنافسية في السوق المحلية والأسواق الخارجية ويقلص فرص التصدير. وأوضح أن تقييم القرارات المتعلقة باستيراد البيليت يجب ألا يقتصر على الرسوم المحصلة أو تشجيع المصانع على التحول إلى التصنيع المتكامل، بل ينبغي أن يشمل التداعيات الاقتصادية على المصانع القائمة التي ضخت استثمارات ضخمة وتوفر فرص عمل لقطاع عريض من العاملين.
وأشار البهي إلى أن التحول إلى التصنيع المتكامل يتطلب تدفقات استثمارية هائلة، وهو ما يمثل عبئاً كبيراً على مصانع أنفقت بالفعل مبالغ باهظة في إنشاء خطوط الدرفلة وتشغيلها، مشدداً على ضرورة دراسة أوضاعها من مختلف الجوانب قبل اتخاذ قرارات تؤثر في تكلفة إنتاجها. وأضاف أن تراجع الإنتاج أو توقف المصانع يترك تداعيات يصعب تداركها سريعاً، خاصة أن إعادة تشغيل أفران صهر الحديد بعد توقفها ليست عملية سهلة.
مصانع الحديد والحماية الصناعية والفجوة التجارية
من جانبها، ترى الخبيرة الاقتصادية نادية المرشدي أن أزمة رسوم البيليت تكشف عن ضرورة مراجعة سياسة حماية صناعة الحديد والصلب التي استمرت لعقود دون تقييم كاف لنتائجها على القدرة التنافسية والصادرات وتكلفة الإنتاج.
واستشهدت المرشدي ببيانات التجارة لعام 2025، والتي أظهرت وصول واردات الحديد والصلب إلى نحو 4.286 مليارات دولار، مقابل صادرات بنحو 1.819 مليار دولار، بوجود فجوة تجارية تقارب 2.47 مليار دولار (مع الإشارة إلى أن هذه الأرقام تشمل القطاع كله وفق التصنيف التجاري المستخدم ولا تخص البيليت وحده).
وفي تصريح لـ"العربي الجديد"، أكدت المرشدي أن الحماية الصناعية ليست خطأ في حد ذاتها، لكنها يجب أن تكون مؤقتة ومقترنة بأهداف قابلة للقياس؛ تشمل زيادة الإنتاجية، والصادرات، والقيمة المضافة المحلية، وخفض تكاليف الإنتاج، وخلق فرص عمل مستدامة. وتحذر من تحول الحماية إلى نظام دائم يسمح بتمرير ارتفاع تكاليف الإنتاج إلى المصانع المستهلكة للصلب والمستهلك النهائي دون إثبات تحسن التنافسية.
وتضع الخبيرة أزمة البيليت في إطار أوسع لحماية المنتج المحلي، متسائلة عما إذا كانت المصانع المتكاملة توفر الخام لمصانع الدرفلة بالكميات والأسعار وشروط التوريد المناسبة. وطالبت بمطابقة بيانات الجمارك مع الإنتاج والمبيعات والمخزون والقوائم المالية للمصانع، لتحديد تكلفة إنتاج البيليت وهوامش الربح، وقياس أثر الرسوم على مصانع الدرفلة وأسعار حديد التسليح والصناعات الهندسية.
اقتصاد عربي التحديثات الحية
التعليم والأسعار على قمة مناقشات "منتدى مصر" الأول
وأشارت المرشدي إلى أن طرح هيئة التنمية الصناعية مؤخراً لـ 8 رخص جديدة لإنتاج البيليت بطاقة إجمالية تبلغ 2.8 مليون طن سنوياً لزيادة المعروض المحلي وتقليل الاعتماد على الاستيراد، يثير تساؤلات بشأن مدى كفاية الطاقات القائمة وقدرتها على تلبية احتياجات السوق بعد عقود من الحماية.
كانت الحكومة قد بدأت فرض تدابير وقائية مؤقتة على واردات البيليت في سبتمبر/ أيلول 2025 لمدة 200 يوم، قبل إقرار تدابير نهائية لمدة ثلاث سنوات في عام 2026. ووفقاً لبيانات رسمية، بلغت الرسوم في المرحلة الأولى 13.12% بحد أدنى 70 دولاراً للطن، ثم انخفضت إلى 12% بحد أدنى 64 دولاراً للطن اعتبارات من 14 سبتمبر 2026، على أن تتراجع إلى 11% بحد أدنى 59 دولاراً للطن في المرحلة التالية.
تداعيات على الأسعار
قال المدير التنفيذي لغرفة الصناعات المعدنية، محمد حنفي، إن 26 مصنعاً عانت من نقص في خامات البيليت منذ مارس/ آذار 2026. وتستند تقديرات متداولة بالغرفة إلى أن الأزمة تطاول 22 شركة ونحو 30 ألف عامل بصورة مباشرة أو غير مباشرة. وتربط المصانع المتضررة بين صعوبة تدبير البيليت وتراجع معدلات التشغيل، وسط مخاوف من تأخر صرف المستحقات وتزايد الضغوط على السيولة والوفاء بالالتزامات.
وسجّل سعر طن حديد التسليح ارتفاعاً من نحو 38,200 جنيه في سبتمبر، إلى 40,850 جنيهاً في أكتوبر/ تشرين الأول الجاري. وترجع الشركات المنتجة للحديد المتكامل هذه الزيادة إلى ارتفاع تكاليف التشغيل؛ حيث صعد سعر الغاز الصناعي من 6.75 إلى 7.75 دولاراً لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، وزادت تكلفة الكهرباء بأكثر من 50%، إلى جانب ارتفاع تكلفة الخردة بنحو 57 دولاراً للطن (أو بنسبة 17%) وفق البيانات ذاتها (إذ يعادل الدولار نحو 54.4 جنيها). في المقابل، قال رئيس غرفة القاهرة التجارية ورئيس مجموعة العشري للصلب، أيمن العشري: إن إلغاء الرسوم الوقائية يمكن أن يخفض سعر طن حديد التسليح بنحو 7 آلاف إلى 10 آلاف جنيه، ويساعد في إعادة تشغيل المصانع المتوقفة.
النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.
المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗