العراقيون اعتادوا عبور الأزمات
وفاء الفتلاوي:
لم تكن تقلبات سعر الصرف في العراق مجرد أرقام تتغير في نشرات الأخبار بل محطات تركت آثارها في تفاصيل الحياة اليومية من أسعار السلع إلى كلفة الاستيراد والقدرة الشرائية للمواطنين.
ومع كل تغيير في السياسة النقدية يعود السؤال، هل استطاع العراق تحويل تجاربه السابقة إلى خبرة تساعده على مواجهة الأزمات الاقتصادية بأقل الخسائر؟
فعلى مدى سنوات حافظ سعر الصرف الرسمي على قدر من الاستقرار قبل أن يواجه الاقتصاد العراقي اختباراً صعباً في نهاية عام 2020 مع تراجع أسعار النفط وتداعيات جائحة كورونا آنذاك اتجهت الحكومة إلى تعديل سعر صرف الدينار ليبلغ سعر بيع الدولار للجمهور ألفاً وأربعمئة وسبعين ديناراً في خطوة استهدفت تخفيف الضغط على المالية العامة وتعزيز قدرة الدولة على تمويل نفقاتها في ظل تراجع الإيرادات النفطية.
لم يكن القرار منفصلاً عن طبيعة الاقتصاد العراقي المعتمد بدرجة كبيرة على النفط في تمويل الموازنة فيما يستورد معظم احتياجاته من الخارج. لذلك امتدت آثار التغيير إلى الأسواق وكلفة السلع والمواد الأولية وأظهرت صعوبة الموازنة بين حماية الاستقرار المالي للدولة والحفاظ على القوة الشرائية للمواطن.
وفي شباط عام 2023 اتجهت السياسة النقدية نحو تعزيز قيمة الدينار عندما تقرر تحديد سعر بيع الدولار للمصارف بألف وثلاثمئة وعشرة دنانير وللجمهور بألف وثلاثمئة وعشرين ديناراً، وجاءت الخطوة وسط اضطرابات في السوق الموازية واتساع الفارق بينها وبين السعر الرسمي إلى جانب إجراءات تنظيم التحويلات الخارجية وتوسيع استخدام المنصة الالكترونية.
كشفت تلك التجربة أن تعديل السعر الرسمي لا يكفي وحده لضمان استقرار السوق، إذ يرتبط نجاح القرار بتوافر الدولار للمستفيدين وانسيابية التحويلات التجارية وثقة المتعاملين بالإجراءات النقدية، فاستقرار سوق الصرف لا يتحقق بالأرقام المعلنة فقط بل بقدرة النظام المالي على تلبية الطلب المشروع وتقليص الفجوة بين السعر الرسمي وسعر التداول الموازي.
واليوم يواجه العراق اختباراً جديداً مع اعتماد سعر صرف يبلغ ألفاً وخمسمئة وعشرين ديناراً للدولار الواحد للبيع النقدي للجمهور، اعتباراً من السابع من تشرين الأول عام 2026 وفقاً للبيانات المقدمة لهذا المقال ويعيد هذا التعديل الأسئلة التي رافقت القرارات السابقة إلى الواجهة في ظل ضغوط مالية واقتصادية تتصل بموارد الدولة النفطية والتطورات الإقليمية.
إن رفع السعر الرسمي للدولار يعني حصول الدولة على دنانير أكثر مقابل الإيرادات النفطية المحولة إلى العملة المحلية وهو ما قد يساعد في تخفيف بعض الضغوط على تمويل النفقات العامة، لكن هذه الفائدة تقابلها تحديات تتعلق بكلفة الاستيراد واحتمال انتقال الزيادة إلى أسعار السلع والخدمات، ويتوقف حجم الأثر على طبيعة السوق ومستوى المنافسة والرقابة وقدرة التجار على تجنب استغلال التغيرات الاقتصادية.
ولا يمكن اختزال أزمة الدولار في قرار حكومي أو نقدي واحد، فالاعتماد الواسع على الاستيراد ومحدودية تنوع مصادر الإيرادات يجعلان الاقتصاد العراقي أكثر تأثراً بالتطورات الخارجية، كما أن معالجة الاختلالات تحتاج إلى سياسات متكاملة تشمل تنظيم التحويلات وتسهيل التجارة المشروعة وتعزيز الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الاستيراد كلما أمكن، هنا تظهر قيمة الخبرة المتراكمة من الأزمات السابقة، فالقرارات النقدية تكون أكثر فاعلية عندما تترافق مع وضوح في التفسير واستقرار في الإجراءات ومراقبة فعلية لحركة الأسعار، كما أن حماية المواطن تتطلب متابعة أثر القرارات على الأسواق ومواجهة الاستغلال وضمان عدم تحول كل تغيير في سعر الصرف إلى مبرر لرفع الأسعار بصورة غير
مبرر.
ولا تقع مسؤولية تجاوز الأزمة على الحكومة وحدها كما لا يصح تحميل المواطن تبعات اختلالات لم يكن طرفاً في صنعها، فالحكومة مطالبة بإدارة الموارد والسياسة النقدية بكفاءة وشفافية، والقطاع الخاص معني بتعزيز الإنتاج والمنافسة، فيما تحتاج الأسواق إلى قواعد واضحة تحد من المضاربة وتحافظ على حقوق المستهلكين.
لقد اعتاد العراقيون التكيف مع الأزمات، لكن قدرتهم على التحمل لا ينبغي أن تصبح بديلاً عن الإصلاح، فالتجاوز الحقيقي لا يعني أن تمر الأزمة فحسب بل أن تترك وراءها اقتصاداً أكثر قدرة على مواجهة الصدمات وأقل اعتماداً على مورد واحد، وأكثر توازناً بين متطلبات الدولة واحتياجات المجتمع.
وبين تجارب سعر الصرف السابقة والتعديل الأخير لا يكمن التحدي في إثبات قدرة العراقيين على الصبر بل في تحويل دروس الأزمات إلى سياسات أكثر استدامة، فهل تنجح الخبرة هذه المرة في تقليص كلفة الأزمة وبناء استقرار اقتصادي أوسع أم تظل البلاد تعود إلى أدوات المعالجة نفسها كلما تجددت الضغوط؟ الإجابة لن تحددها الأرقام وحدها بل ما ستكشفه المرحلة المقبلة من نتائج ملموسة في الأسواق وحياة المواطنين.
النص منقول من الخلاصة التي ينشرها وكالة واع، وحقوقه محفوظة له.
المصدر: وكالة واع — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗