الأمواج الحوثية.. من الداخل إلى العالم
أنهى الحوثي هدنة استمرّت لسنوات وأشعل حرباً شاملة هجينة الطابع. بدأها بالحديث عن الحصار، وهدّد بضرب المطارات والموانئ. السؤال الأوّل الذي طرحناه على أنفسنا كان: ما هي الموانئ التي يقصدها؟ سرعان ما انهالت صواريخه على ميناء المخا لتجعل منه أثراً بعد عين.
استغل سنوات الهدنة في الإعداد للحرب القادمة. دخل، منذ العام 2004، في عشرات الهدن، ولم تكن الهدنة بالنسبة له سوى استراحة محارب.
بينما انشغلت الحكومة خلال سنوات الهدنة بمحاولة تعزيز مؤسسات الدولة وتثبيت الركائز الهشّة للاقتصاد، كان الحوثي يبني في السرّ هجومه الكبير لبسط نفوذه على كلّ البلاد. تقول تقديرات العسكريين في الجيش اليمني إنّ الموجة الأولى من الهجوم، التي استهدفت محافظة تعز، حشد لها حوالي 85 ألف مقاتل. تعز هي الباب الذهبي لعدن، رأى الحوثي الطريق إلى عدن أقرب من أيّ وقت مضى، وتوقّع حياداً سعودياً. لم يتردّد في إطلاق أخطر صواريخه على مدن سعودية في محاولة لدفعها لمغادرة المشهد اليمني، وإفساح الطريق أمامه لينفرد بالداخل المُفكّك والتائه.
لم تكن الهدنة بالنسبة للحوثي سوى استراحة محارب
السعودية لم تقف على الحياد، فهي لا تملك ذلك الترف. في المواجهة مع إسرائيل قدّم الحوثي نفسه بحسبانه المحارب المجنون، ذلك الذي لا يمكن التنبّؤ بردّة فعله. كذلك فعل في صدامه البحري مع أميركا. في خطاباته هدّد السعودية، كما إسرائيل، باللاشيء اليمني. يردّد قائلاً "ليس لدينا ما نخسره"، وهي جملة تعني في أبسط ترجماتها: بلادي مسحوقة، ليس هناك من شيء صالح للكسر. سأضربكم، يقول، ولن يكون بمقدوركم إيذائي.
الفقر، الانسحاق، والمأساة، هذا هو الوقود الحيوي للحوثي، وهو المادة السوداء التي يخوّف بها العالم.
وجد حكام اليمن، من السلالة، وقوداً جيّداً في الفقر. كانوا يستخدمون الفقراء آلة حربية لإخضاع من يحاول العصيان أو حتى يبقى على الحياد، كما لاحظت شيلاغ واير في كتابها "السياسة والقانون في جبال اليمن، 2007". على المنوال ذاته، عملوا على نشر الجوع في المدن والنجوع وجنوا بسبب ذلك أمواجاً كبيرة من المقاتلين. يصير القتال مهنة، والقتل نشاطاً بيروقراطياً، فما من طريقة لكسب العيش في اليمن سوى الذهاب إلى القتال. ردّد محمد الحوثي، رئيس اللجنة الثورية، هذه الجملة مراراً: "من أراد الراتب فليذهب إلى الجبهة". الحرب، في الرؤية الحوثية، هي المصنع، وهي مؤسّسة التوظيف الوحيدة.
الفقر، الانسحاق، والمأساة، هذا هو الوقود الحيوي للحوثي، وهو المادة السوداء التي يخوّف بها العالم
يتساءل الناس عن سرّ الحشود التي يرسلها الحوثي إلى الجبهات. أولئك المقاتلون، إن أحببنا وصفهم كذلك، هم عمّال، عملهم الأساسي الحرب، ومهارتهم إطلاق النار. التحقوا بخطوط النار، بل وأطلقوا النار، ليحصلوا على رغيف العيش. تقول العرب "قتيل الماء لا قتيل الظمأ"، وتعني بذلك أنّ الموت في سبيل الحصول على الماء خيرٌ من الموت انتظاراً.
يجلس الحوثي على بحيرة بشرية ليس لعمقها قرار. ما من تقديرات واضحة عن حجم القدرة البشرية التي جنّدها في الأعوام الأخيرة، غير أنّ السلوك الانتحاري لقواته يقول الكثير. يتحدّث الناس في اليمن عن سياسة الأنساق، أي الأمواج البشرية على الطريقة الخمينية. يفني الحوثي موجات بشرية بلا حساب لصالح كسب جزء من الأرض. العسكريون في مأرب يتحدّثون عن اضطرابات نفسية في صفوف المقاتلين على خطّ النار. السبب يعود لانخراطهم في عمليات قتل كثيفة للأنساق الحوثية التي تعشو بلا هدى. أخبرني مصدر عليم بأنّ الجنرالات أعدوا خطّة مواجهة تقتضي تبديل الأنساق الدفاعية خلال فترات قصيرة كي لا تنفرد مجموعات بعينها في التصدي للموجات البشرية. يهدف التكتيك لحماية السلامة النفسية للمقاتلين الحكوميين.
الكلفة البشرية عالية، والحوثي مثل الخميني، كلاهما لا يحصيان القتلى
في العام الرابع للحرب العراقية – الإيرانية (1984) أنتج جهاز التعبئة العراقي الفيلم الشهير "الحدود الملتهبة". قرّب الفيلم مسألة الأمواج البشرية الإيرانية على نحو يصعب نسيانه. كان حجم الشعب الإيراني آنذاك يعادل تقريباً ثلاثة أضعاف الشعب العراقي، وهي نسبة تشابه إلى حدّ كبير الفارق الديمغرافي بين مناطق الحوثيين والمناطق التي تحكمها الشرعية. لتعويض العجز في الآلة الحديثة، وفي الغطاء الجوي، اعتمد الخميني على القدرة الديمغرافية من خلال الزج بموجات الباسيج إلى خطوط النار، ومن خلفها الحرس الثوري. الباسيج، أو قوات التعبئة العامة، تشابه إلى حدِّ بعيد موجات الحوثيين التي تتسلّق الجبال والشعاب وتلتف على خطوط المقاومة والجيش اليمني. قبل سقوط المخا ارتفعت أصوات كثيرة تُطالب بسحب الجثث من المنحدرات والشعاب، غير أنّ تلك المذابح انتهت بسقوط الساحل الغربي في قبضة الحوثيين. استنزف الحوثي، بأمواجه البشرية، الذخيرة والمجهود، كما اكتشف مصادر ونوع النيران. نجح في اختراق خطوط الدفاع بأجساد جلبتها وسائل التعبئة الشعبية. كانت الكلفة البشرية عالية، والحوثي مثل الخميني، كلاهما لا يحصيان القتلى.
وصل الفقر إلى عظام الناس في شمال اليمن، تضطر الأسرة لإرسال العديد من أبنائها إلى هيئات الحوثي ومؤسّساته الثقافية والعسكرية للتخلّص من الأعباء. تمرّ أوقات طويلة قبل أن تسمع الأسر شيئاً عن ذويها، وغالباً ما تأتيهم أنباء "الاستشهاد" مشفوعة بالطبول والأناشيد والصور. ثمّة تخوّف من أن تنجح تقنيات التعبئة الحوثية في ريف تعز. إن حدث فسيعوّض الحوثي عن خساراته البشرية الأخيرة، وسيجد وقوداً لمعاركه القادمة في اتجاه عدن. فعل النازيون الشيء نفسه، كانوا يقتحمون المنطقة ثم يأخذون شعبها جنوداً يفتحون بهم البلاد التالية. في نهاية المطاف، فالمعضلة الحوثية غاية في التعقيد، وهي برغم كلّ ذلك لا تزال في مطلعها. طبيعة المشكلة، تاريخها، والعناصر المؤسّسة لها، كلّ ذلك يقول إنّها ستصير قريباً إلى مشكلة عابرة للحدود.
النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.
المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗