تقليص أميركي للأبحاث... تبعات على الصحة العالمية
تعدّ البحوث في مجال الصحة العالمية استثماراً مُربحاً للدول ذات الدخل المرتفع، ويؤكد خبراء أميركيون أن فوائد البحوث الصحية تتجاوز المكاسب الاقتصادية إلى المساهمة في تحسين الصحة في الولايات المتحدة والعالم.
ويُخبر طبيب العيون جوشوا أولريش موقع "ذي كونفرسيشن" أنه "ليس من النادر أن بحثاً أجري حول مرض في مكان بعيد يوفر اليوم علاجاً لمريض في الولايات المتحدة". ويروي أنه استقبل في عيادته بميشيغن امرأة اشتكت من أنها تشعر بحكة وعدم راحة في عينيها، وقالت له إنها راجعت طبيباً شخّص حالتها بالتهاب الجفن، ووصف لها دواء "إيفرمكتين" الذي يُستخدم لعلاج داء كلابية الذنب الذي يُعرف باسم العمى النهري، وينتشر غالباً في المناطق الريفية جنوب الصحراء الكبرى في أفريقيا.
وفيما طرح السؤال نفسه، لماذا تستخدم مريضة تعاني من حكة في عينيها في الولايات المتحدة دواءً يقضي على دودة طفيلية تتسبب بالعمى في أفريقيا، لم يستغرب الطبيب الحالة التي تعكس فعلياً عقوداً من الاستثمار والتعاون لمكافحة مرض يصيب الفقراء في العالم، والتي أثمرت فائدة غير متوقعة تمثلت في علاج التهاب الجفن وجفاف العين والوردية.
وساهمت أبحاث الصحة العالمية دائماً في إنتاج علاجات وتوفير معارف وفوائد اقتصادية للدول الغنية تحديداً بطرق غير متوقعة. وهي تتطلب استثمارات كبيرة سواء لتطوير لقاحات وأدوية، أو جمع بيانات سكانية واسعة النطاق، أو إجراء دراسات لمقارنة السياسات الصحية، لكن النتائج أظهرت دائماً أن هذه الاستثمارات مُجدية اقتصادياً.
في عام 2012، قدّر تقرير أصدرته المعاهد الوطنية للصحة الأميركية أن كل دولار تستثمره الوكالة في أبحاث الصحة العالمية يُحقق عائداً على الاستثمار مقداره 2.21 دولار، وأن كل منحة بحثية تُوفر سبع وظائف في الولايات المتحدة.
وثبتت صحة هذا التقرير في السنوات التالية. وبين عامي 2008 و2024 أنفقت المؤسسات الحكومية الأميركية، مثل المعاهد الوطنية للصحة، نحو 46 مليار دولار في ثلاثة مجالات رئيسية للصحة العالمية، هي الأمراض المُهملة، والأمراض المعدية الناشئة، والصحة الجنسية والإنجابية، وحفّزت هذه الاستثمارات 104 مليارات دولار من النشاط الاقتصادي، ووفرت 600 ألف وظيفة في الولايات المتحدة.
وتوضح منظمة "إمباكت غلوبال هيلث" البحثية غير الربحية التي ترصد ما تُسميه "انتشار الابتكار"، أن مجموعة ابتكارات أبحاث للصحة العالمية أسفرت عن فوائد صحية واقتصادية في الولايات المتحدة ودول أخرى ذات دخل مرتفع، من بينها اختبارات كوفيد-19، ولقاحات فيروس الورم الحليمي البشري وفيروس الروتا، وصولاً إلى الحدّ من خطر الإصابة بسرطان الثدي وعلاجات سرطان الأطفال، وتؤكد أن الفوائد المباشرة للاستثمار في "انتشار الابتكار" مُذهلة.
ومن بين الأمثلة شراكة بحثية في ثمانينيات القرن العشرين بين شركة "غلاكسو سميث كلاين" للرعاية الصحية متعددة الجنسيات التي تتخذ من لندن مقراً، ومعهد "والتر ريد"، وهو أكبر منشأة أبحاث للطب الحيوي تتبع لوزارة الدفاع الأميركية، وأسفرت عن لقاح ينقذ الحياة ضد الملاريا. ويمنع هذا اللقاح حالياً وفاة طفل واحد من بين كل ثمانية أطفال في المناطق المُصابة بالملاريا في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى.
إلى ذلك تُعتبر التقنية التي تقف وراء لقاح الملاريا أساساً للقاحات الهربس النطاقي (الحزام الناري) والفيروس المخلوي التنفسي التي تستخدم في الولايات المتحدة والعالم. ويتوقع أن يمنع لقاح الهربس النطاقي وحده أكثر من 9 ملايين إصابة في الولايات المتحدة، وسيوفر على نظام الرعاية الصحية 55 مليار دولار بحلول عام 2050.
ومن الأمثلة الأقدم على التأثير الإيجابي للابتكار، لقاح السل الذي طوّره علماء فرنسيون قبل مائة عام، علماً أن هذه العدوى الرئوية لا تزال تودي بحياة أكثر من مليون شخص سنوياً، 80% منهم في بلدان ذات دخل منخفض ومتوسط.
وفي عام 1990، وافقت إدارة الغذاء والدواء الأميركية على استعمال الدواء المستخدم في لقاح السل علاجاً لسرطان المثانة. ويُقدّر الباحثون أن هذا الدواء سيمنع أكثر من 300 ألف حالة من السرطانات الشائعة، وينقذ نحو 100 ألف شخص، ويوفر نحو 12 مليار دولار في الولايات المتحدة بحلول عام 2050.
وإلى جانب الأدوية الأساسية، تُنتج أبحاث الصحة العالمية معارف حيوية وقابلة للتطبيق حول تقديم الرعاية الصحية، وتوفر استنتاجات لصحة السكان حول العالم وكيفية نجاح نجاح أنظمة صحية لدول غنية أخرى بكلفة أقل، ويستخدم الباحثون الأميركيون هذه الرؤى الفريدة لتحسين الرعاية في بلدهم وتعزيز نظامها الصحي.
ومن الأمثلة استلهام ولاية واشنطن دروساً أساسية من تجربة ألمانيا لتصميم أول برنامج لتأمين رعاية طويلة الأمد تديره الدولة في الولايات المتحدة. ويُموّل برنامج "واشنطن كيرز" من خلال ضريبة رواتب رمزية تقل عن 0.6% من الأجور، ويمكن أن يستخدم لتغطية تكاليف الرعاية طويلة الأجل، مثل تلك المنزلية، وتركيب قضبان المساعدة، وتعويض مقدمي الرعاية غير الرسميين، ونفقات دور رعاية المسنين.
ويؤكد خبراء أن تطبيق نظام رعاية طويلة الأمد قوي سيسمح بأن يزيد مقدمو الرعاية مساهماتهم في الاقتصاد الرسمي، ما يُعطي دفعة قوية للاقتصاد الأميركي مع ازدياد نسبة كبار السن في المجتمع. وهم يصرون بالتالي على التمسك بالمساهمة في "انتشار الابتكار" رغم أنهم يدركون أن شعور الأميركيين بعبء غلاء المعيشة، قد يجعل بعضهم يميلون إلى التفكير في تقليص تمويل الأبحاث التي تهدف إلى مساعدة الناس خارج الولايات المتحدة.
النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.
المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗