قيود الصحافة التركية... تضييق على الإعلام المعارض
أعاد تعيين وصي حكومي على قناة خلق تي في المعارضة، في 14 أكتوبر/تشرين الأول الحالي، ووقف بثها المباشر خلال مداهمة مقرها في إسطنبول، ملف حرية الصحافة في تركيا إلى واجهة السجال. جاءت الخطوة ضمن تحقيق في مزاعم فساد تتعلق بمالك القناة جعفر ماهر أوغلو، المقيم خارج البلاد، بينها الرشوة والتلاعب بالمناقصات وغسل الأموال.
وأعلنت النيابة إصدار مذكرات توقيف بحق 17 شخصاً، أوقف 11 منهم، وفق تقارير إعلامية. تقول السلطات إن الإجراء جزء من تحقيق جنائي، فيما اعتبرت القناة ومعارضون ومنظمات حقوقية أن الاستيلاء على إدارتها ووقف برامجها يهددان استقلال الإعلام، خصوصاً في ظل تغطيتها محاكمة رئيس بلدية إسطنبول السابق أكرم إمام أوغلو. أدانت "هيومن رايتس ووتش" تعيين الوصي، محذرة من أثره في الأصوات المعارضة.
تأتي القضية في مناخ تتزايد فيه المواجهة بين الحكومة ووسائل الإعلام المنتقدة، تزامناً مع توقيفات وتحقيقات وحجب لمواقع وحسابات على منصات التواصل. يشير تقرير منظمة مراسلون بلا حدود لعام 2026 إلى أن تركيا تراجعت إلى المرتبة 163 من أصل 180 دولة وإقليماً في مؤشر حرية الصحافة، بعدما احتلت المرتبة 159 في عام 2025. وانخفضت درجتها من 29.40 إلى 27.94 نقطة. وسجل المؤشر السياسي 20.16 نقطة، والاقتصادي 26.78، والقانوني 31.20، والاجتماعي 28.93، والأمني 32.61. يذكر التقرير أن نحو 90% من وسائل الإعلام الوطنية تخضع لسيطرة الحكومة، بما يحدّ من التعددية ويزيد اعتماد الجمهور على مؤسسات مستقلة تواجه ضغوطاً قانونية واقتصادية.
تكتسب هذه الأرقام دلالتها من منهجية التصنيف، الذي يقيس البيئة السياسية والقانونية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية للعمل الصحافي، بالاستناد إلى تقييمات خبراء وبيانات عن الانتهاكات. عالمياً، أفادت المنظمة بأن أكثر من نصف الدول والأقاليم المشمولة في تصنيف 2026 باتت ضمن فئتي الوضع الصعب أو الخطير جداً، وأن المؤشر القانوني سجل أكبر تراجع بين المؤشرات الخمسة. وفي الحالة التركية، تتقاطع الضغوط القانونية مع محدودية التعددية الإعلامية، ما يجعل أثر القيود ممتداً إلى إنتاج الأخبار وتداولها وقدرة الجمهور على الوصول إلى روايات مختلفة.
تظهر القيود الرقمية حجم المشكلة خارج المؤسسات الإعلامية. فقد وثّقت جمعية حرية التعبير التركية (İFÖD)، عبر مشروع إنغيلي ويب المعني برصد الرقابة على الإنترنت، حجب الوصول إلى ما لا يقل عن 1270 حساباً على منصة إكس خلال سبتمبر/أيلول الماضي وحده.
وتجاوز مجموع متابعي 1227 حساباً توافرت عنها معلومات 35 مليوناً. وشملت الحسابات صحافيين ومؤسسات إخبارية وأكاديميين ومنظمات نسائية وحقوقية. ونُفّذ نحو 90% من قرارات الحجب عبر تقييد الوصول إلى الحسابات من داخل تركيا. كما تجاوز عدد الحسابات المستهدفة في شهر واحد إجمالي الحسابات الـ995 التي قالت الجمعية إنها حُجبت خلال عام 2025.
تقول الجمعية إن قرارات كثيرة لا تُنشر كاملة ولا تتضمن أسباباً تفصيلية، ما يصعّب على أصحاب الحسابات معرفة الأساس القانوني للحجب والطعن فيه. وشملت الإجراءات وسائل إعلام مستقلة، من بينها "تي 24"، وحسابات صحافيين ومنظمات حقوقية.
وفي أكتوبر/تشرين الأول الحالي، طاول الحجب حسابات مرتبطة بالجمعية نفسها وبمشروع إنغيلي ويب، الذي يوثق الرقابة منذ عام 2008. وحذّرت منظمات حقوقية وإعلامية، بينها "هيومن رايتس ووتش" و"آرتيكل 19"، من اتساع القيود، ودعت السلطات إلى وقف الأوامر التي لا تتوافق مع المعايير الدولية لحرية التعبير، كما دعت المنصات إلى مراجعة تعاملها مع طلبات الحجب.
وفي سبتمبر 2026، أُوقف ثمانية صحافيين، هم لالي أوزان أرسلان، وفاتح إرجين، وتوبا تيكيريك، ومصطفى بالجي، وشعبان سيفينتش، وصلاح الدين غونداي، وعلي تاراكجي، وباهدر أوزغور العامل في "خلق تي في". كما صدرت أوامر بوضع إسماعيل سايماز ومراد أغيريل تحت الإقامة الجبرية. وارتبطت بعض الإجراءات بنشر أسماء قيل إنها متصلة بقضية صناديق استثمار، بينما نفت السلطات صحة الأسماء والادعاءات، وقدّم أشخاص وردت أسماؤهم شكاوى إلى النيابة العامة. وتقول الحكومة إن الملاحقات تتصل بنشر معلومات مضللة أو غير موثقة. في المقابل، ترى جهات معارضة ونقابية أن التحقيقات والعقوبات في قضايا النشر تخلق مناخاً يردع الصحافيين عن تناول ملفات حساسة.
قال نائب في حزب الشعب الجمهوري المعارض، في تصريحات نقلتها وسائل إعلام محلية، إن الصحافيين مثلوا أمام القضاء 50 مرة على الأقل خلال الشهر، وإن نحو 1350 حساباً على منصات التواصل تعرضت للحجب أو التقييد. أشار إلى تحقيقات واعتقالات واعتداءات أثناء التغطية الإخبارية وإجراءات استهدفت مواد صحافية، معتبراً أن ذلك يؤثر في حق الجمهور في الحصول على المعلومات. تختلف أرقام الحسابات المتداولة بين التصريحات السياسية وبيانات الرصد؛ لذلك تظل أرقام جمعية حرية التعبير، التي تحدد الفترة والمنصة وآلية التوثيق، مرجعاً أدق عند الحديث عن قرارات الحجب على "إكس" في سبتمبر.
يتركز جانب من السجال القانوني حول المادة 217/A من قانون العقوبات التركي، التي أُقرت عام 2022 وتجرّم نشر معلومات كاذبة علناً بقصد إثارة الخوف أو الذعر أو تهديد الأمن العام. وترى منظمات حقوقية وصحافية أن صياغتها الواسعة تتيح استخدامها ضد تقارير تتناول قضايا عامة، فيما تقول السلطات إن الغرض منها مكافحة التضليل وحماية النظام العام. ووفق الأرقام التي أوردتها تقارير حقوقية ونقابية عن تطبيق المادة، فُتح 113 تحقيقاً ضد 88 صحافياً منذ إقرارها وحتى الفترة التي يغطيها التقرير؛ واحتُجز 29 صحافياً، وأُلقي القبض على ستة، ووُضع صحافي واحد تحت الإقامة الجبرية.
وانتهى 49 تحقيقاً إلى عدم الملاحقة، بينما أُحيلت 29 قضية إلى المحاكمة. وصدر حكم بالبراءة في 15 قضية، وظلت 12 قضية قيد النظر، وأُلغي حكم إدانة في الاستئناف وانتهى إلى البراءة، فيما صدر في قضية أخرى حكم بالسجن عشرة أشهر مع وقف التنفيذ. وتوضح الأرقام أن فتح التحقيق لا يعني بالضرورة الإدانة، لكنها تكشف حجم التعرض للإجراءات القضائية بسبب النشر. وفي بداية إبريل/نيسان 2026، أفادت تقارير بأن ما لا يقل عن 14 صحافياً كانوا في السجون التركية.
يربط الصحافي هشام غوناي هذا المسار بالتغييرات التي أعقبت محاولة الانقلاب الفاشلة في يوليو/تموز 2016، وإعلان حالة الطوارئ. يقول لـ"العربي الجديد" إن تلك المرحلة شهدت إغلاق عشرات المواقع والقنوات التلفزيونية والإذاعات والصحف والمجلات، إلى جانب تقييد حسابات معارضين على منصات التواصل. ويشير إلى حجب "ويكيبيديا" في تركيا لسنوات بسبب محتوى قالت السلطات إنه يتضمن معلومات تمس الدولة والرئيس رجب طيب أردوغان، قبل رفع الحجب عام 2020.
يرى أن استخدام أوامر تقييد المحتوى نقَل المواجهة من غرف الأخبار إلى الفضاء الرقمي، إذ يمكن حجب الحساب أو المادة عن الجمهور داخل البلاد مع بقائها متاحة في الخارج.
يعتبر غوناي أن قضية "خلق تي في" حلقة جديدة في هذا السياق، ويربط توقيتها بتغطية القناة محاكمة إمام أوغلو وملفات المعارضة، فضلاً عن نشر وسائل إعلام مزاعم تتعلق بشخصيات في حزب العدالة والتنمية. فيما تقول النيابة إن التحقيق يتعلق باتهامات مالية محددة بحق مالك القناة. أما المزاعم المتداولة بشأن شخصيات أخرى، فلا يمكن التعامل معها بوصفها حقائق مثبتة من دون أدلة وإجراءات قضائية؛ ومن الضروري الفصل بينها وبين الوقائع المعلنة في قضية القناة.
يرى غوناي أن الضغوط قد تُقرأ أيضاً في سياق الاستعدادات للمرحلة الانتخابية المقبلة، إذ تتنافس الحكومة والمعارضة على تشكيل الرأي العام، وتكتسب تغطية ملفات الفساد والمحاكمات أهمية متزايدة. غير أن تحديد دوافع القرارات الحكومية يحتاج إلى أدلة مستقلة، ولا يكفي توقيت الإجراء وحده لإثباتها. وتبقى الأسئلة الأساسية مرتبطة بشفافية التحقيقات، ووضوح قرارات الحجب، وحق المؤسسات في مواصلة عملها، وقدرة الصحافيين على نشر معلومات ذات مصلحة عامة من دون التعرض لإجراءات غير متناسبة.
يُشار إلى أن بيانات منظمة مراسلون بلا حدود وجمعية حرية التعبير، توفر مؤشرات قابلة للقياس على اتساع القيود الصحافية في تركيا، فيما يكشف الموقف الرسمي والمعارض خلافاً حول حدود مكافحة التضليل واستقلال الصحافة. ويبقى الاختبار العملي أن تكون القيود محددة ومعللة وقابلة للطعن، وأن تُفصل المسؤولية الجنائية الفردية عن حق الجمهور في متابعة الأخبار والتحقيقات والمعلومات المتعلقة بالشأن العام.
النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.
المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗